والسلطان نفسه كان غريقا في الملاهي، والملاذ، والإكثار من خدمه، وسراريه، وبنات مطر، وكثيرا - بل في غالب الأحيان - ما يكون لهؤلاء الشأن الأعظم في سير الأمور التي تتعلق بالرعية.
وينقسم أولئك إلى ثلاثة أقسام: (30-1) بنات مطر
هؤلاء هن البنات الجميلات جدا، ويدعون «بنات مطر»، وهن البنات الأبكار الجميلات اللائي يبلغ جمالهن مسامع السلطان، سواء كن من بنات الملوك، أم الوزراء أم قواد جيشه، ورعاياه الذين ينكوون بحكمه، وتأكلهم نار صلفه، وجبروته.
وبالاختصار كان على كل واحد رزقه الله ببنت جميلة أن يقدمها إليه، وهؤلاء يرتعن عنده بل ينغمسن في المسك، والعنبر، والطيب، ويتحلين بالذهب الإبريز، ويخطرن أمامه كأغصان النقا، وأعواد البان؛ فيسبح هو في لذاته، ويعاقر معهن الدنان، وبعد ذلك يلقب نفسه بالسلطان العادل، وأمير المؤمنين! وتلك والله تسمية من الغرابة بمكان!
وبعد أن يأخذ من الواحدة مشتهاه ينعم بها على من كان راضيا عنه.
فقاتل الله الظلم والجبروت، فإنه يقتاد العواطف إلى مهاو سحيقة يذبح فيها العفاف بمدية الفسق، والفجور. (30-2) سراريه
كلهن جميلات يأخذن باللب، ويتركن الإنسان صريع سهامهن، وكل واحدة من نسائه الشرعيات عندها الكثيرات من أولئك السراري، وهو لا يأبى أن يضاجع أغلبهن، ويعتبرهن ملك يده، وله الخيار في بيعهن، وشرائهن كالأغنام، والخيل، والإبل. (30-3) نساؤه الشرعيات
لكل واحدة من هؤلاء بيت خاص، وهن كثيرات جدا لا يحصى لهن عد، وأحبهن إليه «بنت النور عنجرا» المشهور ب «أم درمان». (31) خوف السلطان وحذره
والسلطان نفسه كان كثير الخوف شديد الحذر على حياته، وله جواسيس عديدون، حتى إنه من شدة حذره ما كان يعرف أين يبيت! وعادته التخفي ليلا؛ ليندس عند من يصمم على المبيت معها، ومن عاداته أيضا أنه يحب التطيب، والتدلك بنهود الأبكار، والميل المطلق إلى الجميلات، والانغماس في حمأة الشهوات، وقد كان يشرب الخمر المعتق التي يصنعها في قصره، وهو شراب يدعى بشراب «الكوشيب» و«العرديب» وقد ذقت الأول فوجدت طعمه لذيذا للغاية، ويشابه كثيرا شراب الشمبانيا.
ومن الغريب أنه كان يعامل أولاده كما يعامل العامة من الناس، ومن عادتهم الحضور صباحا كل يوم، فيخضعون، ويركعون أمامه كبقية القوم، ثم يمكثون بالقرب منه في الجامع الذي بقصره للدرس، والمطالعة، والتفقه في العلوم الشرعية حتى يدخل إلى محل حريمه فيفترق إلى بيته، ومع ذلك فهو يحبهم حبا جما يفوق الوصف.
وبالإجمال فقد تحققت مما رأيته أن السلطان كان متنعما غريقا في الشهوات، والملذات، وأن كل قصوره، وحيشانه، ومبانيه الفاخرة تدل على عظمة، وعلى أنه كان قابضا على الرعية بيد من الفولاذ، وكان يوهمهم دائما بالتظاهر، والتمسك بأهداب الدين الحنيف حتى إنه صنع يوما عنجريبين
4
محليين بالذهب الإبريز، والفضة، والسن والعاج، ثم جمع ملوكه، ووزراءه والأمراء جميعهم، وقال لهم: «لقد أمرت أن أصنع هذين العنجريبين للنبي
صلى الله عليه وسلم
ولابنته فاطمة الزهراء.» وطفق يبكي أمام هذا الجمع حتى أبكاهم، فخرج الجميع وهم يقولون: حقيقة إنه لجدير بها، أي بالخلافة. وهذا دهاء يعمي به على أقوامه البلهاء، ورعيته الجاهلة.
ولقد بلغني أنه عند هربه عطشت بعض سراريه اللاتي معه وشكون إليه ألم العطش فقال لهن: «نحن في صحراء جافة، وليس هنا ماء.» فلم يستطعن لتعبهن السير معه، فأخرج طبنجته ورمى منهن أربعا بالرصاص، فأماتهن ثم قال: «أقتلكن بيدي وأنا مسرور خيرا من رجوعكن إلى الفاشر؛ فيتمتع بجمالكن الترك - أي المصريون.» فانظر إلى قسوة هذا السلطان، وإلى عواطفه التي لا تتحرك إلا لمطلق الشهوة. (32) إرساله رسولا إلى الحكومة
ولما أعيته الحيلة، وعلم أنه سيكون مشتتا، ومهددا بالقبض عليه أرسل ابن عمه، ومعه ستة فرسان؛ ليفاوض الحكومة لتؤمنه على حياته حتى يرجع، ويتوب، ويستغفر لذنبه إن كان من الخاطئين. وهذا دهاء ومكر منه أيضا، فهو كلما أرسل يتذلل للحكومة زاد في الحيطة لنفسه والتوغل في «جبل مرة»، وقد كان الرسول بينه وبين الحكومة ابن عمه الأمير شمس الدين. (33) أولاده