وفي تلك المعركة استشهد السردار «رمضان واد بره» قائد الجيش العام، والأمير «سليمان» وجرح الخليل، وأمراء كثيرون لا تحضرني أسماؤهم.
والخلاصة أن السلطان فقد نخبة جيشه وقواد جنده، وأمراءه، وعددهم يربو على الألف. (25) وصول الخبر إلى عاصمته وتزعزع عرشه
ولما وصل الخبر إليه، وإلى عاصمة ملكه تزعزع جدران عرشه، وعلم أنه أوشك أن ينهار على رأسه، فعجل بالهرب يوم 23 مايو سنة 1916م أي قبل دخولنا «الفاشر». وهذا هو الجزاء العادل على الظلم، والجبروت، والعتو وجزاء من لا تجد الشفقة، والحنان إلى قلبه سبيلا وإن ربك لبالمرصاد.
ومن رعى غنما في أرض مسبعة
ونام عنها تولى رعيها الأسد
وبعد دخولنا «الفاشر» فتشت المساكن جميعها كالعادة الحربية المتبعة، ثم جمع السلاح الذي بيد الأهالي، وقد كان الكثيرون يأتون من تلقاء أنفسهم لتسليمه إلى الحكومة، وتقديم الطاعة التامة.
ومن جملة من سلم نفسه للحكومة ثالث يوم - أي يوم 26 مايو المذكور - الأمير «محمود الدادنجاوي» الذي تسميه الرعية بالملك محمود تقديرا لأهميته؛ ولأن السلطان نفسه كان قد منحه هذا اللقب، وهذه كانت من التقاليد المألوفة.
ولنعد إلى الأمير محمود هذا، فنقول إنه على حسب فكري رجل راجح العقل كثير الوقار، والتأني، والهيبة، وقد أرسله السلطان علي دينار لمحاربتنا ب «أم كدادة»، فأعمل الفكرة وطرق كل أبواب الحيلة؛ ليتغلب علينا، ويرجعنا القهقرى غير أنه أخفق إخفاقا تاما، فرجع إلى سلطانه يجر أذيال الخيبة، وقال له: لم أترك يا مولاي حيلة إلا اتخذتها لمحاربة الترك - أي المصريين - إلا أن نارهم لا تصطلي.
نعم هم جماعة قليلو العدد إلا أنهم - والحق يقال - شعلة من نار جهنم، وإني أرى من الصالح لسيدي أن يصالحهم، ويقدم الطاعة للحكومة؛ حفظا لكرامته، وكرامة ملكه، وعرشه وتاجه.
غير أن السلطان كان من الجهل والغباوة بمكان، فلم ترق مشورة الأمير في عينه، بل ضرب بها عرض الحائط، وقال له: «أتهددني بمثل هذا يا عبد! فما أنت إلا جبان، ومثلك لا يصلح أن يكون ملكا، وأميرا.» وجرده من ملكه وعقاره، وأخذ منه سيفه، وطبنجته، وهذا دليل على منتهى غضبه عليه.
وفي ذلك اليوم عينه - أي يوم 26 مايو سنة 1916م - سلم الأمير الآخر المدعو «واد حولي»، وهذا على - ما سمعت - فارس مغوار، يركن إليه في وقت الشدة كما أنه مشهور بشدة مراسه، وقدرته على الحروب، وهو الذي كان قد أرسله السلطان إلى جبل الحلة؛ ليعاون الخليل على قتالنا.
وبعد أن سلم هذان الأميران تبعهم الأهالي زرافات، ووحدانا ومعهم أسلحتهم مقدمين الطاعة للحكومة. (26) تعنيف الميرم تاجه لشقيقها السلطان
ومن أحب، وأحلى - بل وأشجع - ما سمعته مرويا إلي عن أخته «الميرم
2
تاجه» عندما عزم السلطان شقيقها على الهرب، وتعنيفها له، وحضه على أن يموت فوق سجادته، أو على ظهر جواده، وهو الأصون لكرامته، وكرامة بيت الملك، قولها له:
يجب أن تحارب حتى آخر نفس يتردد فيك، وإلا فالأولى لي أن أعطيك جلبابي، وآخذ ثيابك وأذهب مكانك للحرب، والجلاد.
وهذا كلام وطني - والحق يقال - يجب أن يكتب بالذهب الخالص، وشجاعة لم أسمع مثلها إلا عن «جان دارك» معبودة الفرنسيين التي حاربت الإنجليز، وانتصرت عليهم في عدة مواقع دفاعا عن حرمة وطنها العزيز فرنسا.
فألهبت «الميرم تاجه » في فؤاد شقيقها السلطان الحمية، وأشعلت فيه النخوة حتى وافقها على رأيها قائلا: «سأريك يا أختي كيف أحارب الترك،
3
وكيف أضحي بنفسي في سبيل بلادي ووطني المحبوب.»
وشقيقته هذه كانت تحبه الحب الخالص، ولها دالة عليه، ولا يمكنه بأي حال أن يبت في أمر بدون مشورتها؛ لأنها - على ما يقال - على جانب عظيم من النجابة، والذكاء.
وهذه أسماء المقربين من السلطان، وأسماء مشيريه، ولقد كان كثيرا ما ينعم على بعض القوم بلقب ملك لزعمه أنه دون لقب السلطان. (27) ملوك دارفور (1)