ولما انكسر جيش التعايشي بواقعة «أم درمان» رأى الملازم علي دينار أنه من الحكمة أن يعود بما بقي له من جيشه إلى بلاده، ومسقط رأسه «الفاشر» عاصمة دارفور، ولما وصل إليها قابله الأمير «محمد أحمد» على الرحب، والسعة، وأكرمه، ثم أجلسه على سرير أجداده، ومن ذلك الوقت استمر سلطانا حتى فتوح الفاشر ، ولما رأيت أنا أنه قضى على سلطة التعايشي، ومزق جيشه شر ممزق، قلت في نفسي: يجب أن أعود أيضا إلى بلادي دارفور، وقد كان بيني، وبين السلطان علي دينار بعض الصداقة لما كنا معا ب «أم درمان».
وبينما أنا عائد في الطريق قابلتني قبيلة الكبابيش الموالية للحكومة في جبل كاجا، وحصل بيننا قتال عنيف أسفر عن تغلبي عليهم، وإصابتي في مفصل يدي اليمنى برصاصة، (وقد أراني مكانها حيث لا يزال أثرها باقيا).
ولما وصلت إلى الفاشر قابلني السلطان علي على الرحب، والسعة، وجعلني رئيسا على قبيلتي «الميماوية» بالفاشر، وقد كان من عادة السلطان أن يعين رئيسا للقبيلة، ومركزه مع نفس القبيلة، وآخر مركزه بالفاشر، والأول عليه أن ينظر في كل أمر يتعلق بالقبيلة، ثم يعرضه على الرئيس الآخر الذي بالفاشر، وهذا الأخير إذا رأى ما هو خارج عن سلطته عرض الأمر على السلطان.
وقد كان السلطان يثق بي كثيرا، ويحبني كأحد أولاده؛ ولذلك أضاف إلي إمارة «أم شنقا»، و«جبل الحلة»، و«كدادة»، و«بروش»، و«أبيض». وهذا بالاختصار هو تاريخ حياتي. (37) جيش السلطان علي دينار ورؤساؤه
ينقسم جيش السلطان علي دينار إلى أرباع، والربع يقدر بثمانمائة فارس، وهاك بيانها:
عدد بالربع
1
برنجية ورئيسه «أحمد واد إبراهيم» ابن أخت السلطان علي دينار.
2
إيكنجية ورئيسه «منصور عبد الرحمن» ابن أخي السلطان علي دينار.
3
ربع ورئيسه «عبد الرجال» أصله من عبيد السلطان.
4
ربع ورئيسه الملك «محمود الدادنجاوي».
5
ربع ورئيسه «مقدوم شريف».
6
ربع ورئيسه الأمير «سليمان واد علي».
7
ربع ورئيسه الأمير «رمضان واد بره»، وعلاوة على ذلك كان قائدا عاما للجيش في واقعة برنجية التي استشهد فيها.
8
ربع ورئيسه الخليل «واد كرومه» الشهير رئيس قبيلة الميماوية.
9
ربع ورئيسه الأمير «حسن واد سبيل».
10
ربع ورئيسه إسماعيل علي، أصله جلابي ورباه السلطان فنشأ بين أحضانه.
11
ربع ورئيسه عبد المكرم بنجاوي، أصله من عبيد السلطان أيضا.
12
ربع ورئيسه «كتونج»، أصله عبد داجاوي من عبيد السلطان أيضا.
13
ربع ويدعى ربع الخوشخانجية، ورئيسه «نجابو كداوي»، كان قد حضر مع «عربي دفع الله» من الرجاف، وهؤلاء يحملون بنادق كبيرة توازي ما يسمونه «ربع مدفع»، ولها ثلاث أرجل تشابه تماما سيبية المدفع المكسيم.
ويوجد غير ذلك آخرون لا تحضرني الآن أسماؤهم، كما أنه يوجد غندجلية وتوفكشجية
9
لتعمير السلاح وإصلاحه، وأغلب أسلحتهم من طراز رمنجتون، وجميع ذخيرتها تصنع بالفاشر بإحكام، ودقة، ومهارة.
ولكل ربع من هذه الأرباع قسم من الخيالة يستعمل ككشافة علاوة على وجود ربعين كاملين من الفرسان «السواري».
ملحوظة: تركت «الفاشر» منتدبا بأمر معالي السردار للخدمة بقوة البحر الأحمر أركان حرب لها أثناء الحرب العالمية، وما كدت أصل إلى الخرطوم حتى علمت بأن قوة حاصرت السلطان علي دينار بقرب «جبل مرة»، وضيقت عليه الخناق، فوجد أن لا سبيل إلى إفلاته، ولا بد من وقوعه أسيرا، ففضل أن يكون مصيره بيده، فأطلق على نفسه الرصاص فمات.
وبموته تكاملت حلقات الأمن، والطمأنينة بدارفور، أما أقرباؤه، وأولاده فجيء بهم أسرى بأم درمان تحت إشراف الحكومة، وهم يتناولون شهريا مرتبا ضئيلا. (38) الفاشر «الفاشر» عاصمة دارفور بلد كبير يوازي في عمرانه، واتساعه «أم درمان» عاصمة السودان القديمة، وقصبته، والتي كانت مقرا للمهدي، وخليفته عبد الله التعايشي، وقد أحكم انتخاب موضعها حيث بينت على أرض مرتفعة تشبه التل أي إن موقعها مستحكم استحكاما طبيعيا غاية في القوة، والمناعة كقلعة عظيمة.