ولا يعزب عن البال أن «الخليل» هذا هو من أشهر، وأعرق قبائل دارفور، وقد كانت له مكانة خاصة عند السلطان؛ ولذلك زوجه من إحدى بنات بيت الملك، وأجاز له ما لا يجوز لغيره كالإذن بالإعدام في البلاد التي كان أميرا، وحاكما عليها، ومن ثم كنت ترى الخليل يحب السلطان حبا جما، ويحلو له أن يسفك دمه فداء لسيده . وقد بلغني أنه قام يوم واقعة جبل الحلة بعد أن استحم، وتعطر، وتدلك
5
ولبس أجمل ثيابه، ثم قال: «سأذهب للدواس
6
وأموت فداء لمولاي.» وهو يقصد من كل ذلك أنه لو قدر ومات، فسيموت شهيدا، وما تطيبه ولبسه الفاخر من الثياب إلا استعدادا لمقابلة حور الجنة. (36) إعجابي بالخليل وبشجاعته الخلقية
ومما أعجبني وراق نظري كثيرا ثبات الخليل على حب مولاه السلطان، ومدحه له، والمدافعة عنه، عندما قلت له: «إن السلطان كان جاهلا وسكيرا، هذا فضلا عن إرهاقه الرعية بالظلم، والجور، والحيف، ومع ذلك لا يخاف الله.» فاغتاظ الرجل، وأجابني في حدة مع تأدب، وقال: «إن ما بلغكم عنه لزور وبهتان وافتراء، ولو كان سكيرا كما تقول لما أمكنه أن يدير دفة هذا الملك الواسع ما يربو على التسعة عشر عاما بدقة، وإحكام، ولو كان ظالما فظا لانفض الناس من حوله.» وحينئذ كنت تراني أتلذذ من هذا الكلام الذي بلغ الغاية في الحكمة، والولاء، والذي أنضجه الذكاء الفطري، وسرعة الخاطر العجيب، ودل على وجود مبدأ سام شريف في الرجل، وزاد على ذلك: «إن السلطان كان رءوفا، رحيما، برعيته كريما، جوادا، كثير الإحسان مسلما تقيا، جمع كل صفات الخير، والبر، والرحمة.» فأكبرت الرجل في عيني، وصرت أنظر إليه منذ ذلك الوقت بعيني قلبي لا بذلك النظر السطحي.
هذا ما قاله الخليل مع علمه بأنه قد أصبح أسيرا، ولا سبيل - بل لا وسيلة - في نجاته. واعتقادي أنه لو كان رجل آخر مكانه لقال هكذا: «ما حيلتي وأنا غير مخير في نفسي، وما عملت كل ما عملت إلا مجبرا خوفا على دمي أن يريقه السلطان» غير أن الخليل كان في غاية الشجاعة الخلقية.
ولقد سأله المفتش - مفتش حكومة السودان - أمامي عن مكان عيش
7
السلطان المدفون، فقال بكل بساطة: «لا علم لي بذلك؛ لأن هذه ليست بلدتي، ويجب عليكم أن تسألوا شيخها؛ حيث إن صاحب الدار أدرى بالذي فيها.»
وعندئذ سألته: «ولماذا أنت هنا مع أنك تقول إن هذه ليست بلدك؟» فأجابني: «إن بلدتي تدعى فافا
Fafa
وهي تبعد عن هنا مسير ثلاث ساعات، ولقلة الماء، وعدم وجود آبار بها جئت إلى هنا لأعالج نفسي بالحمام البارد، ولأن والدتي هنا أيضا، ولها مال، وعقار كثير.» وقد علمت من مجمل حديثه أنه قضى شطرا كبيرا من حياته بجبل الحلة حاكما عليه تتبعه «بروش»، و«كدادة»، و«أبيض»، وأن معظم خدمه، وعبيده قد تركهم بالفاشر عندما أصيب في واقعة برنجية الشهيرة؛ حيث كان فاقد الرشد، وإنما وجد نفسه ببلدته «فافا» عندما تنبه لنفسه، وأفاق. ثم سألته: «ولم جعلك السلطان أميرا، وحاكما مطلقا؟ وهل عملت ما يجعلك تستحق الإنعام عليك بهذا اللقب حتى تقربت من السلطان فأحبك كل هذا الحب؟» فتبسم ثم أجابني قائلا: اسمع يا ضابط حسن: إن والدي كان رئيسا لقبيلة الميماوية، وقد مات بواقعة أم درمان الشهيرة، ثم توفي أخوتي أيضا، ومن ثم كنت أنا رئيسا لقبيلتي خلفا لوالدي المرحوم، وقد حضرت واقعة أم درمان الشهيرة وأنا فتى صغير في سن المراهقة، ولما غضب التعايشي على السلطان يوسف سلطان دارفور إذ ذاك، أرسل إليه من قتله في «جبل مرة»، ونصب مكانه السلطان أبا الخيرات، ولما لم يوافقه هذا أيضا أماته كذلك ونصب مكانه السلطان علي دينار الحالي، غير أنه كان حارا
8
على كل الملوك، والوزراء الذين يلتفون حوله، وكان يعاملهم معاملة هي من القساوة بمكان، فرحلوا جميعهم إلى خليفة المهدي، وشكوا له معاملته السيئة، وكان في مقدمتهم الملك محمود الدادنجاوي، فأرسل التعايشي إليه الأمير «محمدا أحمد»؛ ليتولى الحكم مكانه، ويكلفه بالحضور إلى «أم درمان» فنفذ ذلك على الفور، وقدم ابن دينار إلى «أم درمان»، وعين ملازما في جيش التعايشي؛ أي رئيسا على جزء من الجيش.