هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون . فالله يبعث الحق ويصدق به المرسلون،
بل جاء بالحق وصدق المرسلين . ثم يصدق به المتقون،
والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون .
والخامس:
الصدق كفعل بشري، اتفاق القول والفعل، وهو مضاد للكذب،
افليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين . فالصادق هنا هو اللسان،
وجعلنا لهم لسان صدق عليا ، وهو لسان صدق في الدنيا والآخرة،
واجعل لي لسان صدق في الآخرين .
والسادس:
الصدق كاتفاق الفعل مع الإيمان. ولما كان الإيمان فعلا فهو اتفاق الفعل مع الفعل،
أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون . وهم النخبة الذين يتجاوزون درجة المؤمنين إلى درجة الصادقين،
من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه . وهم الذين لهم قدم صدق، وتبوءوا مبوأ صدق، ودخلوا مدخل صدق. وهم الذين يبلغون درجة صديق،
يوسف أيها الصديق
مثل يوسف وإبراهيم وإدريس،
واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا ،
واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا . والصديقون كالشهداء والصالحين. ومريم كانت صديقة،
وأمه صديقة .
إن سبب غياب الصدق هو الخوف أو المصلحة. وكلاهما ليسا من صفات المؤمنين. (10) الكذب
والكذب في لغة الحياة اليومية قرين الصدق وعلى النقيض منه. وبلغة الأخلاق الصدق فضيلة والكذب رذيلة. وقد ذكر لفظ «الكذب»» في القرآن مائتين واثنتين وثمانين مرة، أي حوالي مرة ونصف من الصدق. فالتعريف سلبا أهم من التعريف إيجابا. تعريف الصدق بنفي الكذب، وتعريف الكذب بنفي الصدق. وقد استعمل اللفظ في القرآن بستة معان، حسب الأهمية على النحو الآتي:
الأول:
تكذيب الآيات وهي أدلة وبراهين حسية على صدق الله ورسله ووعده ووعيده، وهو أيضا افتراء الكذب على الله،
ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته . والتكذيب بآيات الله صد وافتراء وظلم، وهو نتيجة للاستكبار،
بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت . وقد يؤدي الاستكبار ليس فقط إلى الكذب بل أيضا إلى القتل،
استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون . والتكذيب نوع من الجهل وعدم الإحاطة،
حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما ، وهو نتيجة للصمم والعمى،
والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات ، واتباع للأهواء،
ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ، وهو نوع من الغفلة،
ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ، وهو ظلم للنفس،
ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ، وهو خسارة مع الظلم،
ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين . وقد أتت آية
فبأي آلاء ربكما تكذبان
في صيغة استفهام استنكاري أكثر من ثلاثين مرة. والآية ظاهرة طبيعية للرؤية أو قول قرآني للتلاوة،
ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون ، أو تذكر قوانين التاريخ وشواهده،
فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين . التكذيب نوع من اللعب وعدم الجدية،
فويل يومئذ للمكذبين * الذين هم في خوض يلعبون .
والثاني:
يكون التكذيب أيضا للرسل وقد جاءوا بالصدق،
فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه . وتكذيب الرسول هو تكذيب لله لأن ما جاء به الرسول من الله،
وقعد الذين كذبوا الله ورسوله . ولا يؤثر تكذيب الرسل في نصرتهم،
حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا . وتكذيب الرسول عادة عند كل الأقوام،
وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم . ولا يوجد رسول إلا وكذبه قومه،
إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب . والعقاب وعيد،
كل كذب الرسل فحق وعيد . وقد كذب كل من قوم نوح وعاد وثمود ولوط وأصحاب الرس وقوم شعيب،
فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك .
والثالث:
تكذيب الوعد ولقاء الله وما أتى به من كتب والساعة،
بل كذبوا بالساعة ، وهو تكذيب بالحق،
فقد كذبوا بالحق لما جاءهم ، وهو تكذيب بلقاء الله،