تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ؛ لذلك سمي القرآن التنزيل، وقد سمي أيضا الوعد الذي وعد به الآباء والأجداد،

لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين . التعبير إذن تهمة وقدح في الوحي وتشبيهه بأساطير الأولين من صنع الخيال الجمعي والثقافة الشعبية، مجرد حكايات خرافية لا صلة بها بالتاريخ ولا بالواقع. هي محض خيال، جزء من الآداب الشعبية القديمة حول الأبطال ومسارات الشعوب في التاريخ.

ومع ذلك يستعمل نفس اللفظ باشتقاقات أخرى مثل مسطور، يسطر، مستطر بمعان مشابهة ودلالات قريبة، ولكن على نحو إيجابي؛ إذ يقسم الله بالكتاب المسطور وهو القرآن المدون،

والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور

باعتباره شيئا مرئيا ملموسا مثل جبل الطور وأي رق منشور. وكل ما يحدث في الواقع ويقع في التاريخ مدون في كتاب سواء اللوح المحفوظ أم القرآن،

كان ذلك في الكتاب مسطورا ، وهو كتاب لا يسطر إلا الخير والأفعال الحسنة،

إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا

كي يشجع الناس على العمل الصالح وفعل الخير. كما يستعمل الفعل «سطر» للتدوين أي لحفظ المعرفة وليس للقرآن وحده. فالقرآن جزء من النسق المعرفي الإنساني،

ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون . وهذا التسطير بالقلم جزء من النعمة الإلهية. فالوحي نفسه مدون مسطور في اللوح المحفوظ، والقرآن مدون في اللوح المحفوظ. والوحي كله مدون في الصحف، صحف إبراهيم وموسى، التوراة والإنجيل والزبور، وهي كتب الأولين المذكورة في القرآن. ويعني اللفظ أي شيء مدون، صغيرا كان أم كبيرا،

وكل صغير وكبير مستطر .

التدوين خطوة كبيرة في تطور الحضارة بعد نشأتها في المرحلة الشفاهية. التحول من الشفاهي إلى المدون نقلة حضارية كبيرة؛ لذلك عظم دور الكتبة، الأحبار والكهنة والفقهاء الذين اشتغلوا بمهمة التدوين. وخطورة ذلك هو عدم التطابق بين الشفاهي والمدون على فرض تطابق الشفاهي مع نفسه؛ لذلك أتت تهمة القرآن للكتب المقدسة السابقة بالتحريف والتغيير والتبديل،

يحرفون الكلم عن مواضعه . وحرص المسلمون الأوائل على تدوين القرآن خشية من استشهاد حفظة القرآن ودخول التحريف والتبديل عليه، والزيادة والنقصان تحقيقا لآية،

إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . والحفظ ليس بالفعل الإلهي بل بمناهج النقل في علوم القرآن، وعدم مروره بفترة شفاهية كالحديث أو مثل باقي الكتب المقدسة، التوراة والإنجيل.

وبالرغم من رد الفلسفة الغربية المعاصرة الاعتبار إلى الأسطورة باعتبارها صورة رمزية للفكر عند كاسيرر في كتابه «فلسفة الصور الرمزية» إلا أن اللفظ في الثقافة الشعبية ما زال له مدلول سلبي، أي الخرافة والتي هي أشبه بقصص الأطفال الخيالية أو ثقافات الشعوب البدائية التي تقوم فيها الأساطير بدور العلم والفلسفة والدين. (6) ضرب الأمثال

من أساليب التعبير في القرآن الكريم كالقصة ضرب الأمثال، فالمثل نوع من التشبيه الذي هو نوع من المجاز في ثقافة عربية تقوم على أساليب البلاغة وفنون القول، والمجاز في القرآن، درسه علماء أصول الفقه والتفسير والقرآن والبلاغة.

وقد ذكر لفظ «مثل» في القرآن بمعنى المثل بالكامل، تشبيه شيء بحكاية ثمانين مرة، وستا وثمانين مرة أخرى كمجرد تشبيه بسيط، تشبيه شيء بشيء، فإذا أخذنا التشبيه المركب لضرب الأمثال لوجدنا أن القرآن يقصده مع الاعتراف بحدوده، فالمثل لا يطابق الممثول مطابقة تامة ولا حتى المترادفات في اللغة؛ لذلك يظل المثل الأعلى لله وحده،

وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم . وقد استعملت الأمثال من قبل في التوراة والإنجيل، فمن يحمل التوراة ولا يعمل بها كالحمار يحمل أسفارا،

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٩٢