تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون . وقد يعني القص متابعة الواقع ووضعه تحت البصر وعدم خروجه عن مجال الرؤية،

وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون . القصص هو تتبع مسار الواقع ووصفه كما هو دون مبالغة،

قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا .

السابع:

هو قصص بالحق. لا يقص إلا عن واقع مشاهد،

نحن نقص عليك نبأهم بالحق . فهو مثل ما يقال في النقد الأدبي القصص الواقعي التاريخي أو القصص الواقعي. لا يعبر إلا عن حقيقة، والحقيقة مطابقة للواقع،

إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله . هو قصص عن علم وليس عن خيال،

افلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين . فالقصص عن مشاهدة ويقين وليس عن أخبار ووسائط معرفية بل عن معرفة مباشرة دون رواية.

الثامن:

القصص للتفكر والاعتبار والاتعاظ،

فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ، فالتاريخ موعظة وعبرة،

لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ؛ لذلك كانت جلسات الاستماع للقصص مثل حلقات الذكر عند الصوفية للاعتبار والموعظة، القصص وسيلة للتربية وتهذيب النفس، وطالما أعطيت للأطفال في دروس التربية الدينية.

وهي غير قصة الحلم وتعبير الرؤيا الشبيهة بالقصص، فهو قصص ذاتي لا شأن له بقصص الأنبياء، قد يصدق وقد لا يصدق،

قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك

تجنبا للحسد والغيرة. ومع ذلك وقع ما كان لا يمكن تجنبه، وحدث ليوسف ما حدث حتى أكرم في قصر العزيز فرعون مصر، وأصبح وزيرا في بلاطه، وأنقذ مصر من المجاعة. فالقصص القرآني يعطي نوعا من الحكاية الوصفية للواقع دون مبالغة أو خيال كي يتحول الوعي بالتاريخ إلى وعي بالواقع. (5) أساطير الأولين

من المفاهيم المعرفية الشائعة في الثقافة الشعبية «أسطورة» وجمعها «أساطير»، وتعني حكاية خرافية من اختراع القدماء كالأساطير اليونانية والرومانية والبابلية والآشورية والفارسية والهندية، فكل شعب له أساطير، دخلت الكتب المقدسة في لحظة التدوين كما دخلت الأساطير البابلية في العهد القديم وبعض الإسرائيليات مثل سفر التكوين في كتاب «بدء الخلق» في البخاري، لدرجة أن بعض اللغويين اعتبروا اللفظ مشتق من اللفظ اليوناني «استوريا» أي قصة أو حكاية، ومنه اشتق أيضا لفظ التاريخ. فكلاهما تدوين القدماء.

وقد استعمل تسع مرات في القرآن الكريم في صورة لغوية واحدة وشكل أدبي واحد «أساطير الأولين» وبمعنى واحد إشارة إلى الوحي الإسلامي،

إن هذا إلا أساطير الأولين ، فهو اتهام غير المؤمنين به قول الآخرين،

فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين . وهي تهمة عامة للوحي بصرف النظر عن صفته، سمعا أم تلاوة أم إملاء أم كتابة أم نزولا أم وعدا.

هي تهمة عامة ممن لا يؤمنون بالوحي،

يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ، فهو قول الخصوم. ويعنون بأساطير الأولين قصص اليهود والنصارى والمجوس والصابئة وهي الفرق الدينية المذكورة في القرآن، والتي وجدت في شبه الجزيرة العربية. وماذا عن أساطير مصر القديمة وقد كانت على صلة بشبه الجزيرة العربية عبر التجارة؟ وماذا عن أساطير الأحباش وقد كانوا في غارات مستمرة على اليمن ومكة مثل غزوة أبرهة؟ وماذا عن أساطير بابل وآشور وكنعان في حضارات ما بين النهرين من خلال التجارة، رحلتي الشتاء والصيف، ومن خلال الأساطير اليهودية؟

ثم يتم تفصيل هذه التهمة، فهو وحي مسموع سمي في التراث «السمع» في مقابل العقل،

قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين . فكلها روايات شفاهية مثل غيرها في شبه الجزيرة العربية، وهو وحي متلو مقروء،

إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين . لذلك سمي القرآن تلاوة، وهو قرآن مدون مكتوب،

وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ؛ لذلك سمي القرآن المصحف أو الكتاب، وهو الذي نزل من السماء،

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٩١