تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والثاني:

أن الدليل يقوم به الحيوان والشيطان وليس الإنسان فقط لأنه المؤشر على الشيء. فقد دلت الدابة في الأرض على موته عندما أكلت منسأته،

ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته . كما أشار الشيطان على آدم على شجرة الخلد التي يأكل منها ولا يبلى فأضله،

قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى . فالدليل قد يكون مؤشرا على شيء خاطئ.

والثالث:

الوحي دليل على وجود الله،

يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ، وهو دليل على صحة الإيمان. والنبي دليل على النبوة،

هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق . فالنبوة دليل على صدق ما يحدث.

والرابع:

أن الأخت تدل على أخيها وتشير إليه،

إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله

وهو موسى بعد أن ألقته أمه في اليم،

هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم

فرجع الطفل إلى ثدي أمه، وقرت عينها. فالدليل هنا حسي: شمس أو دابة أو شجرة أو نبي أو طفل. ولا يمكن إنكاره لأنه مشاهد بالعيان.

أما لفظ «البرهان» فقد ورد في القرآن ثماني مرات بخمسة معان:

الأول:

البرهان ضد الأماني والتمنيات،

تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ، فالأماني بلا برهان ينقصها الصدق ويعوزها التصديق. هو ادعاء أي قول بلا برهان. والبينة على من ادعى، وكثير من جوانب الخطاب العربي المعاصر أماني دون براهين، وأصوات بلا صدى، وما ينبغي أن يكون دون ما هو كائن، خلط بين الأخلاق والعلم، بين الذاتية والموضوعية.

والثاني:

إيمان بآلهة دون برهان،

أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم . فلا يوجد دليل على وجود آلهة غير الله أو على تعدد الآلهة، بل كل الأدلة تثبت أن الله واحد كما حاول المتكلمون والفلاسفة قديما - مثل دليل التمانع عند الأشعري، وهو استنكار عقلي ووجداني - إثبات أن هناك إلها مع الله،

أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين . ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان عليه فإنه يقع تحت المسئولية والحساب،

ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه .

والثالث:

أن الله يرسل البراهين عن طريق الوحي وعصمة الأنبياء. فالوحي نفسه برهان على وجود الله وصحة الإيمان،

يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ، وصدق الوحي في العقل والواقع ومصلحة الجماعة برهان على وجود الله، وهو الذي عصم يوسف من الغواية،

ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه .

والرابع:

المعجزة برهان من الله على يد الأنبياء كي يؤمن الأقوياء مثل فرعون،

فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه ، فالقوي لا يؤمن إلا بالقوة، والجبار لا يصدق إلا الجبروت، وقد استعملت المعجزة في تاريخ النبوة ولدى كل الأنبياء منذ نوح حتى عيسى. وفي ختم النبوة وآخر الأنبياء استبدل بها الإعجاز أي التحدي اللغوي والبلاغي والتشريعي وليس خرق قوانين الطبيعة بالمعنى القديم.

والخامس:

شهادة كل نبي على أمته في حاجة إلى برهان، البلاغ والتصديق، الإعلان والإيمان،

ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم .

الفكر الإسلامي إذن فكر برهاني؛ لذلك يحاور ويحاجج، يقنع ويقتنع. فالإسلام دين الحوار. والقرآن كتاب الحوار مع الخصوم دون تحديد مسبق أي الطرفين على حق،

وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ؛ لذلك كانت تفرقة ابن رشد بين الأقاويل الثلاثة: الخطابي والجدلي والبرهاني تفرقة إسلامية أصيلة. استعملها لنقد المتكلمين والفقهاء دفاعا عن الفلاسفة كما نستعملها نحن الآن للدفاع عن الفقهاء والمتكلمين لاستبعاد الفلاسفة، أصحاب البرهان. (3) الحجاج

يغلب على الفكر العربي طابع «المونولوج» وليس «الديالوج»، أي الخطاب الفردي وليس الحوار الثنائي لأن الفكر عقائد وأحكام مسبقة لا تقبل النقاش ولا الحوار مع أن القرآن الكريم كتاب حجاج وحوار، ومحاولات إقناع للخصوم؛ لذلك استعمل أسلوب الحجاج.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٨٨