أءله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ، فالتحدي للشرك أنه لا برهان على صدقه. والبرهان الطبيعي هو الذي يؤدي إلى وحدانية الله. وقد تكرر هذا المعنى في ثلاث آيات أخرى،
أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم ، فالشرك بلا دليل، والوحدانية اتجاه طبيعي للعقل وبداهة وجدانية.
والرابع:
الشرك قول بلا برهان لأن التوحيد طبيعي في البشر،
تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين . فالأماني مجرد تمنيات ورغبات ذاتية لا أساس موضوعيا لها، هي ذات بلا موضوع، وهوى بلا عقل، ورغبة دون واقع؛ لذلك
ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه ، فالدعوة بلا برهان مسئولية تجعل صاحبها موضعا للتساؤل والحساب، فالإنسان حر عاقل مسئول.
والخامس:
أن البرهان ليس فقط برهانا نظريا للتعقل والتدبر والاقتناع بل هو برهان عملي فعال يحفظ من الرذيلة، ويمنع من الوقوع في الخطأ. البرهان هنا عصمة،
ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ، البرهان هنا يتجه نحو القلب وليس نحو العقل، نحو السلوك وليس نحو النظر، البرهان دليل عملي وليس استدلالا نظريا، فغاية البرهان الفعل وتغيير السلوك وليس فقط تغيير الاقتناع والتحول من رأي إلى آخر.
والسادس:
البرهان هو شهيد على كل أمة مثل برهان كل نبي على أمته أنه أبلغ الرسالة وأدى الأمانة. وقد أعذر من أنذر،
ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم ، البرهان هنا شهادة فرد على جماعة،
فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ، فلكل أمة شهيدها وهو نبيها، والرسول شهيد على كل الأمم لأنه خاتم الأنبياء، والإسلام آخر الرسالات.
البرهان إذن يجمع بين النظر والعمل، بين العقل والسلوك، بين الفرد والجماعة، ليس البرهان هو ما يستعمله المناطقة والرياضيون؛ البرهان العقلي الخالص، أو ما يستعمله العلماء الطبيعيون وهو البرهان التجريبي، بل هو ما يستعمله علماء العلوم الإنسانية الذي يعتمد على البداهة والحس الطبيعي والتجربة الحية، يجمع بين النظر والعمل، بين الدليل والعصمة، بين المعرفة والأخلاق. يحمي نفسه من صورية المناطقة والرياضيين ومن مادية العلماء الطبيعيين، يتجه نحو التجربة الإنسانية والخبرة الحية، والتجربة المشتركة كما يحاول الظاهراتيون من أنصار الظاهريات وهو منهج تحليل الخبرات الشعورية الفردية والجماعية. (2) الدليل والبرهان
يتهم الفكر العربي دائما بأنه فكر خطابي إنشائي ينقصه الدليل والبرهان، على نقيض الفكر العلمي الذي يعتمد عليهما، ويمكن مراجعة أحكامه وقوانينه باللجوء إليها. الخطب الإنشائية تتصادم فيما بينها ولا تتحاور أو على الأقل تتجاور. لا يحدث فيها تراكم تاريخي معرفي لأن الخطابة وقتية تتبخر في الهواء بمجرد سماع صوتها. قد تؤثر في النفس ولكنها لا تقنع العقل.
ومن الألفاظ القرآنية الدليل والبرهان وهما على نقيض الخطابة والإنشاء. بالرغم من أن من مبادئ أصول الفقه الدليل والبرهان مثل «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر». ومن مبادئ المنطق الإسلامي «ما لا دليل عليه يجب نفيه».
وقد ورد لفظ «دليل» في القرآن سبع مرات، ستة أفعال، واسم مرة واحدة مما يدل على أن الدليل استدلال وأنه فعل. وقد ورد بأربعة معان:
الأول:
الدليل الطبيعي الكوني لإثبات حركة الظل وثبات الشيء إذا ما تحركت الشمس،
ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ، وهو الظاهر. والحقيقة أن الشمس هي الثابتة والأرض هي المتحركة فيتحرك الظل، وهو نفس الدليل الذي أراد به اسبينوزا أن يثبت لليهود أنه لا وجود للمعجزة إذا ما تحرك الظل وثبت الشيء لأن المصباح وراءه إذا تحرك الظل. إنما جهل اليهود بقوانين الضوء هو الذي جعلهم يعتقدون بأن ما فعله أشعيا معجزة.