تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ورد لفظ «حجج» في القرآن كفعل ثلاث عشرة مرة، بأربعة معان:

الأول:

الحجاج في الله مع أن الله ليس موضوعا للحجاج لأنه واضح بذاته، موضوع للبرهان،

ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ، الحجاج هو الأخذ والعطاء، النفي والإثبات، هو أقرب إلى الجدل منه إلى البرهان، والله واضح بذاته، والغريب هو الحجاج بعد معرفة الحقيقة لدحضها ولتبرير الباطل،

أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم . ولا يمكن الحجاج مع من هداه الله لأن الظن لا يدحض اليقين،

وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ، فالرسول يحاجج قومه ويثبت لهم الحق والقوم لا يحاجون الرسول لإثبات الباطل ودحض الحق، ولا سبيل إلى مواجهة الحجاج إلا إسلام الوجه لله أي العودة إلى الفطرة،

فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن . والحجاج بعد الاستجابة له لا قيمة له أن العمل يجب النظر،

والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد .

والثاني:

هو الحجاج عن علم وليس عن جهل،

ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ، الحجاج عن علم مقبول لأنه يمكن الوصول إلى الحقيقة، أما الحجاج عن جهل فإنه يتحول إلى جدل عقيم. والحجاج بعد العلم لا يحتاج إلى حجاج مضاد بل إلى حياة مشتركة تقوم على العدل وترفض الظلم والكذب والبهتان،

فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين .

والثالث:

الحجاج فيما نزل من قبل وليس فيما نزل من بعد لأن الحجاج في الأصل وليس في الفرع،

يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون . فلا يمكن الحجاج في إبراهيم وقد أنزلت التوراة والإنجيل بعده، فقد عاش إبراهيم في القرن الثامن عشر قبل الميلاد وأنزلت التوراة في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، والإنجيل في القرن الأول الميلادي.

والرابع:

الحجاج في النار لا يؤدي إلى شيء لاعتراف الضعفاء أنهم كانوا تبعا للأقوياء، وفقد استقلال عقولهم،

وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا . الحجاج تسليم واقتناع.

أما لفظ «حجة» فقد تكرر ثماني مرات كاسم بخمسة معان:

الأول:

أن الله هو الحجة البالغة. ولو شاء لهدى الناس أجمعين،

قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ، ولكن الله ترك الناس لعقولهم ومسئولياتهم وحرياتهم ولاختياراتهم وإلا فما لزمت الحجة أي وسيلة الإقناع. فإذا استمر الحجاج في الله بعدما استجيب للحجة الأولى فإن الحجة الثانية تكون داحضة،

والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة

لأن الحجة لم تتوجه إلى العقل بل اصطدمت بتصلب الإرادة التي لا ينفع معها توالي الحجج، فالعناد ليس حجة مضادة يمكن دحضها حتى يأتي الإقناع.

والثاني:

الحجة للناس على الله،

وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة . فالتوجه نحو الله يمنع ذريعة الناس بأنه لم يهتد أحد، ويثبت أن الحجة أقنعت، وأن الإقناع بالحجة أفاد، وأن الاقتناع النظري تحول إلى سلوك عملي بالتوحد نحو غاية واحدة وهدف واحد. كما يمنع الناس من أن يكون لهم حجة على الله بعد إرسال الرسل،

لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، وأن البلاغ قد تم، والرسالة قد وصلت،

وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا . فالوحي حجة، والرسالة حجة، والبلاغ حجة،

وما على الرسول إلا البلاغ المبين .

والثالث:

حجة النبي على قومه مثل حجة إبراهيم،

وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه . وما أكثر حجج إبراهيم، تكسير الأصنام وتحدي كبيرها بالدفاع عن نفسه أو عن صغار الأصنام أو أن يسمعوا كلام القوم، تفجير ينبوع الماء بين أصابعه في زمزم وهو يسعى بين الصفا والمروة بحثا عن المياه لأسرته حماية لها من الهلاك، بل إن إبراهيم استعمل الحجة مع نفسه للهداية والوصول إلى الله، بالانتقال من الأصغر إلى الأكبر، من النجم إلى القمر إلى الشمس إلى ما وراء الشمس، ومن الكم إلى الكيف، ومن المرئي إلى اللامرئي. كما طلب من الله حجة كي يطمئن قلبه بوجوده وهو أخذ طير وتقطيعه أربعا ثم مناداته كي يعود سليما حيا من جديد.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٨٩