وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل . بل لقد امتد التحريم إلى أشياء حللها الله لهم منعا لظلمهم،
فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم . ومع ذلك لم يمنعهم هذا التحريم من العدوان على غيرهم واستباحة دمائهم وأعراضهم ودورهم وأموالهم.
والرابع الزعم بأنهم أولياء الله دون غيرهم من الناس،
قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت . فأولياء الله من يطيعونه، ويكونون مثله في أفعالهم وسلوكهم. وهم أحرص الناس على الحياة لهم وحدهم دون غيرهم. الكل عبيد وخدم لهم. يستولون على ثروات غيرهم ويسيطرون على مقدراتهم حتى كادوا أن يستحوذوا على ثروات العالم. وأصبحت رءوس أموال العالم كله يهودية.
والخامس اعتبار أنفسهم على حق دائم، وغيرهم على باطل، وأنهم وحدهم هم الناجون وغيرهم الهالكون، وأن من ليس معهم فهو ضدهم،
وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى . فانضم إليهم النصارى وعادوا المسلمين. طريقهم هو الهداية،
وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا . بل جعلوا الأنبياء كلهم يهودا وهو حنفاء على دين إبراهيم، دين الفطرة وهو الإسلام،
أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى . فلا حقيقة إلا فيهم، ولا هدى إلا لديهم.
والمعنى السادس الإيجابي الأخير هو القلة الصالحة وهم المؤمنون، لا فرق بين مللهم وشرائعهم التي تقوم على الحق والعدل،
إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون . هم الذين ينتصرون للحق ضد الباطل، ويدافعون عن العدل ضد الظلم. هم الذين يدافعون عن الفلسطينيين ضد العدوان عليهم في غزة. وينتصرون لهم ضد جماعات الضغط الصهيونية المسيحية المحافظة. فالحق لا يموت على الألسن، والعدل لا ينطفئ من القلوب، وهو ما زال ساطعا في الإعلام الحر ومدويا على ألسن أمثال جافيز ودي موراليس وتشومسكي وغيرهم من الأصوات الحرة الباقية حتى آخر الزمان. (4) الطغيان
يعيب بعض المتغربين على الفكر الإسلامي أنه لم يعرف مفهوم الحرية بالمعنى الحديث، حرية الإنسان كما قررته الثورة الفرنسية ومواثيق حقوق الإنسان والدساتير الحديثة. بل عرف الحرية في مقابل الرق «تحرير رقبة» والحر في مقابل العبد،
الحر بالحر والعبد بالعبد . وقضية الحرية تتجاوز اللفظ إلى المضمون. فكثير من الثقافات عرفت اللفظ دون المضمون.
وقد عالج القرآن الكريم قضية الحرية بطريقة غير مباشرة عن طريق تحرير الإنسان من الطغيان. فالحرية يتم تناولها سلبا من أجل القضاء على موانعها ومحدداتها ونقائضها في الطغيان والاستبداد والقهر والعبودية.
وقد ورد لفظ «الطغيان» في القرآن تسعا وثلاثين مرة، أي إنه موضوع رئيسي. نموذجه فرعون،
اذهب إلى فرعون إنه طغى ، ونظامه،
وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد . وقد يتبناه أي نظام اجتماعي لقوم طاغين،
أتواصوا به بل هم قوم طاغون . فالطاغية لا يسمع نصيحة. والطغيان مجرد حلم لا يتحقق،
أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون ، وهو اختيار حر من الناس وليس إملاء عليهم من أحد، من قدر أو تاريخ أو ضرورة اجتماعية،
وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين . وليس إغواء من قرين أو صديق،
قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد . ومن ثم تتهاوى حجج الطغاة بأنهم كانوا مضطرين للطغيان لظروف سياسية واجتماعية وتاريخية. وقد يطغى الإنسان من نفسه بناء على مسئوليته الخاصة،
كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى . إذا ما شعر أنه ليس بحاجة لأحد، وأنه قادر على كل شيء.
والاستقامة نقيض الطغيان. فالطغيان انحراف عن الطريق القويم،