ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة . مع أن هناك نصوصا أخرى تدفع إلى نبذ الخوف،
الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ، «الساكت عن الحق شيطان أخرس».
والتقليد أيضا أحد أسباب التنازل عن ممارسة الحرية اتباعا للأسلاف،
إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ، أو
مهتدون . فاتباع القدماء وطلب الأمر لديهم خير من المغامرة مع المحدثين. والتقليد ليس مصدرا من مصادر العلم بل الاجتهاد. وماذا لو كان الآباء لا يفقهون ولا يعقلون؟ وقد تنبأ الرسول بتقليد الأمة لغيرهم، اليهود والنصارى «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ فقال: فمن إذن.» وقد يكون التقليد للعادات والأعراف واتباع الأمثال العامية التي تؤثر السكون والأمن مثل «الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح». والدعوة إلى الانعزال مثل «لا لينا فيها بيت ملك، ولا طين شرك»، وكأن الإنسان لا يستطيع أن يدافع عن الأوطان إلا إذا امتلك فيها شيئا، عقارا أو أرضا.
وقد يكون الخوف من «سي السيد» رمز السلطة والتسلط في الدين والدولة ، في الأسرة والمجتمع، في المدرسة والجامعة، في المؤسسة والطريق العام. وقد يكون «سي السيد» شخصا أو فرقة ناجية أو أيديولوجية سياسية مختارة. هو الأب والأخ الأكبر أو الأم أو الأخت الكبرى. هو المعلم الموجه والقائد. هو الزعيم والرئيس، صاحب العظمة والفخامة والسيادة والنيافة والغبطة مدى الحياة. هو مصدر الخوف والقهر والتسلط، صاحب الأمر والنهي.
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم . والقتل جزاء من خرج على طاعة الإمام. في حين أن الخروج على الإمام الظالم واجب شرعي بعد استنفاد الوسائل السلمية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، النصيحة، القضاء.
ومن شدة الخوف وطول الاتباع ينشأ عدم الثقة بالنفس والإحساس بالعجز. فتنزوي الحرية الطبيعية. وتنقلب إلى الداخل، وتصبح مجرد إمكانية لا تتحقق، مجرد أمنية صعبة المنال. فتصاب النفس بالهلع والجزع في كل مرة تتفجر فيها الأحداث كالمظاهرات الطلابية أو العمالية أو اعتصام الموظفين أو حتى انتفاضات الأمن المركزي، أي جهاز الدولة من داخله. ويسري الموت في الروح بتعبير السيد المسيح.
ولما كان الإنسان بطبيعته يؤثر السلامة، والتعايش مطلب الرزق، فقد يتنازل عن حريته طوعا لا كرها. ويجد في الأمثال العامية ما يبرر موقفه «إن كان لك عند الكلب حاجه قل له يا سيد»، وهو ما عارضه القرآن بنقد إيثار الدنيا على حساب الآخرة،
بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى .
وتكون النتيجة إيثار السر على العلن، والخفاء على الجلاء، والهمس على الجهر. فتقع ازدواجية الخطاب والسلوك. القول باللسان دون إيمان بالقلوب. والعمل بالأركان دون اقتناع داخلي. أصبح المواطن يقول ما لا يعتقد، ويعمل بما لا يؤمن به، يكتب ما يريد على دورات المياه، في الأماكن السرية، وعلى عربات النقل فيما يسمى «هتاف الصامتين».
وهو وضع مصطنع وليس طبيعيا، موقف زائف وليس أصيلا. فقد يتفجر الضمير في النهاية حينما يصبح الهم والكذب والنفاق هما على القلب،
يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم . وكما قال السيد المسيح «ماذا ستكسب لو كسبت العالم وخسرت نفسك». كما تنفجر الثورات الشعبية بعد طول صمت وقبول الضيم. التاريخ قصة الحرية كما يقول كروتشه، والوجود هو الحرية كما يقول فلاسفة الوجود المعاصرون.
لقد عبر القرآن عن هذه المعاني بألفاظ أخرى مثل الصدق والإخلاص والإيمان والإسلام. الشعار هو التشهد ويعني الإعلان عن الحق والجهر به وليس كالمثل الصيني «لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم»، أو المسرحية الشعبية «شاهد ما شفش حاجة»، ويتكون من فعلين: نفي في «لا إله»، وإثبات في «إلا الله». يقوم الفعل الأول بنفي كل آلهة العصر المزيفة من مال وجاه وثروة وسلطان ونساء وقوة. ثم يقوم الفعل الثاني بعد تحرر الوجدان بإثبات المبدأ العام الذي يتساوى أمامه الجميع. فالشهادة فعل الحرية.