تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا .

والمعنى الثالث:

أن عدم الإيمان لن يضر إلا غير المؤمن،

عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، فالمؤمن لا ينفع إلا نفسه، ولا يضره ضلال الآخرين. وإن صبر المؤمنين وتقواهم تمنعهم من إضرار كيد الآخرين لهم،

وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ، أو أذاهم لأنهم جبناء في القتال يولون الأدبار حين اللقاء،

لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ، ولا يضرون الرسول في شيء فما على الرسول إلا البلاغ، وإن أعرض عنهم فهم الخاسرون،

وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ، فالمؤمن لا ينفع إلا نفسه، والمهتدي يمنع الضرر عن نفسه. والضال لا يلحق الضرر بالرسول إنما يضر نفسه،

وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء .

والمعنى الرابع:

أن الضرر في حد ذاته لا تقبله النفس بصرف النظر عن الإيمان أو عدم الإيمان، فلا تضار والدة بولدها ولا مولود بولده،

لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده ، الوالدة في الرضاعة حولين كاملين لا أكثر، والوالد في الرزق والكسب والإنفاق، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وكذلك لا تضار النساء بضيق المسكن،

ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن

ولا في الإنفاق. وفي البيع والشراء الشهادة واجبة حتى لا يضار بائع أو مشتر أو كاتب أو شهيد،

وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد ، فالتدوين حفظ للحقوق في الزواج وفي البيع والشراء، فالذاكرة تخون، والنفس أمارة بالسوء، فكل شيء شهادة، الإيمان، وسماع القرآن وتدوين الحديث وإصدار الفتوى وممارسة الجهاد، فالشهادة بالقلب وباللسان وباليد بتدوين شروط العقود.

والمعنى الخامس:

أن العلم هو العلم النافع، وهو ما يؤكده حديث «أعوذ بالله من علم لا ينفع»،

ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ، فالعلم ليس نظريا فحسب، معرفة من أجل المعرفة، بل هو علم من أجل منفعة الناس في الدنيا،

ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم . العلم هو العلم النافع كنظرية عامة في العلم بصرف النظر عن الإيمان أو عدم الإيمان، العلم هو ما يفيد الناس، وما يحقق لهم مصالحهم دون أن تكون المنفعة هي الحقيقة كما هو الحال في المذهب النفعي أو البرجماتية. الحقيقة تحقق المنفعة دون أن تكون المنفعة هي الحقيقة.

الفصل السادس

| العمل

(1) الإصلاح

تتعدد المواقف بالنسبة لعلاقة الدين بالدولة أو الدين بالمجتمع أو الدين بالحياة، وهي ثلاثة: الموقف السلفي التقليدي الذي كان سائدا في الدولة العثمانية أثناء فترة ضعف الخلافة. ويمثله أبو الهدى الصيادي شيخ الإسلام في حلب، وكان يدعو إلى استمرار الخلافة بحسنها وقبحها كمسألة مبدأ وعقيدة، رمزا لوحدة الأمة، ودفاعا عنها ضد الطامعين فيها لتقطيع أوصالها، والتهامها جزءا جزءا من الدول الكبرى في ذلك الوقت، وهو ما حدث بالفعل بعد خسارتها في الحرب العالمية الأولى. والثاني الموقف العلماني الذي كان يمثله حزب «الاتحاد والترقي» أو «تركيا الفتاة»، وكان يمثل القومية الطورانية، وإلغاء الخلافة، والعودة إلى الحدود الطبيعية التركية، وتبني النموذج الغربي بحذافيره مثل الفصل بين الدين والدولة، وتغيير الحروف العربية إلى حروف لاتينية، وتقليد الغربيين في أساليب حياتهم، لباسهم وطعامهم وعمارتهم وفنونهم، وهو الموقف الذي قاده مصطفى كمال الذي نجح في طرد الجيش اليوناني الذي كان على أبواب أنقرة في قلب هضبة الأناضول، والثالث الموقف الإصلاحي الذي قاده جمال الدين الأفغاني «لوثر الشرق» وتلاميذه. كان يبغي تحديث الخلافة دون القضاء عليها، والقضاء على الفساد فيها دون هدمها، والدعوة إلى اللامركزية للتخفيف من بطش السلطنة، ورعاية مصالح الأقاليم. وشاركه في ذلك شبلي شميل «حكيم الشرق» من العلمانيين العلميين، للدعوة إلى تأسيس الدستور والبرلمان للمراجعة على قرارات السلطان، وتقييد سلطته المطلقة، وهو التيار الذي لم ينجح في عصره بالرغم من محاولات التحديث في «التنظيمات»، وربما يحن حزب العدالة والتنمية الآن إلى الموقف الإصلاحي من جديد بعد تأزم الموقف العلماني وظهور حدوده، وهو الموقف الذي يعود من جديد في الثورة الإسلامية في إيران عند الرئيس خاتمي والإصلاحيين، وفي المغرب في حزب العدالة والتنمية وسط الاستقطاب الشديد بين السلفيين والعلمانيين في مصر وليبيا وتونس والجزائر وسوريا والسودان.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٦٦