تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد نقد محمد إقبال من قبل فلسفة السؤال ويعني الشحاذة، من يسير في الطرقات مادا يديه إلى السماء حتى يرزقه الله من حيث لا يحتسب دون أن يعمل بيديه في الأرض ليأكل من عملها وإنتاجها. ويريد توجيه أعين السائل من السماء إلى الأرض، من الخالق إلى المخلوق ، ومن السائل إلى المسئول.

الفصل الخامس

| الدين والمنفعة

(1) هل المنفعة ضد الدين؟

يظن الناس خطأ أن المنفعة ضد الدين، وأنها مرتبطة بالمادية والأنانية والطمع في الدنيا. وهذا غير صحيح، فقد ميز الفلاسفة بين المنفعة الخاصة والمنفعة العامة. الأولى أقرب إلى الأثرة، والثانية أقرب إلى الإيثار. الأولى في حالة إعطائها الأولية على الثانية رذيلة. والثانية في حالة إعطائها الأولوية على الأولى فضيلة.

وقد ذكر لفظ «المنفعة» ومشتقاته في القرآن الكريم حوالي خمسين مرة. فهو موضوع رئيسي. وتدور كل الآيات حول ثلاثة محاور: أن المنفعة أساس الدين، وأنها مقياس صحة الإيمان، وأن الدين هو الحفاظ على منافع للناس في حياتهم وفي دنياهم. ويتجلى المحور الأول في سبعة معان: (1) «المنفعة أساس الدين، وكل إيمان ينفع صاحبه، وكل إيمان لا ينفع ليس إيمانا»،

فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس . والإيمان في الدنيا قبل الآخرة حتى يمكن الانتفاع به. إذ لا ينفع إيمان بعد انقضاء الزمن ونهاية العمر وفوات الأوان،

يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها . ولا ينفع إيمان في الآخرة بعد كفر في الدنيا،

قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون . ولا ينفع الإيمان السطحي القائم على الخوف،

فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ، بل الإيمان عن صدق واقتناع وتجربة. (2) «والذكرى للنفع»

فذكر إن نفعت الذكرى . الذكرى نافعة إذا ما غاب الإيمان وتوارى أمام أهواء البشر،

وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ، ولا يوجد ضمان للذكرى، فقد يكون القلب قاسيا، والمصلحة طاغية، والبصيرة عمياء،

وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى . وقد لا يفيد النصح كما لا تفيد الذكرى،

ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم . (3) «ولا تنفع الشفاعة إلا بإذن الله وقبل التوبة»،

يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا . فلا شفاعة إلا بعد حسن النية وطيب القول. ولا تنفع الشفاعة مع الإصرار على الذنوب واستمرار المعاصي،

ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون . لا تنفع شفاعة الشافعين لمن لا يستحقون الشفاعة،

فما تنفعهم شفاعة الشافعين ، فالشفاعة ليست ضد الاستحقاق بل الاستحقاق شرطها. (4) «ولا ينفع الظلم في الدنيا ولا في الآخرة». فالظلم سلب الناس حقوقهم والاستيلاء عليها بغير وجه حق،

فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون . يرفع الظلم عن المظلومين أولا في الدنيا حتى ينفع الاعتذار والعتاب في الآخرة،

يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار . فالظلم لا عذر عنه، وبالتالي لا عفو عنه. وينال الظالم جزاءه،

ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ، فالدنيا أساس الآخرة، والعمل في الدنيا معيار الجزاء في الآخرة، مقدمة ونتيجة، علة ومعلول، سبب ومسبب. (5) «والصدق في الدنيا نافع في الآخرة»،

قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ، فالصدق تطابق المقدمات مع النتائج، والأقوال مع الأفعال، بعيدا عن النفاق وازدواجية الشخصية. الصدق هو تطابق الإنسان مع ذاته تأكيدا لوحدة شخصيته وتصديق الناس له. (6) «والموت حق، ولا ينفع الفرار منه»،

قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل . المنفعة عمل عاقل وليست خوفا من الضروري. المنفعة ثقة بالنفس وثبات ويقين وليست هروبا من الواقع. المنفعة مواجهة وقبول ورفض، تحد واستجابة، تقدم وتقهقر، سبق واستباق. (7) «ولا ينفع مال ولا بنون في الآخرة»،

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٦٢