تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن المهمشين مع المساكين واليتامى وأبناء السبيل المحرومون والسائلون، أي الشحاذون بلغة العصر. وقد قرنهما القرآن معا في نفس الفئة. فقد ذكر المحروم في القرآن أربع مرات، اثنتان بالمفرد، واثنتان بالجمع، وهو لفظ شائع في لغتنا العربية المتداولة، المحروم والحرمان. وقد ورد بثلاثة معان:

الأول:

حق المحروم في أموال الأغنياء،

وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ،

والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم . فالأمة واحدة. وما بين أيديها مستخلفة فيه. للإنسان حق الانتفاع والتصرف والاستثمار، وليس له حق الاستغلال والاحتكار والاكتناز. وجود أغنياء وفقراء في المجتمع الواحد شرك بالله لأنه إيمان بحقيقتين ومجتمعين.

والثاني:

الفقد. فتحطيم الزرع فقد للثروة، وضياع للأصول،

إنا لمغرمون، بل نحن محرومون

إثر الكوارث الطبيعية وعدم أخذ الحذر من أن ما ينتجه الإنسان هش، عرضة للضياع.

والثالث:

الضلال،

فلما رأوها قالوا إنا لضالون، بل نحن محرومون

عندما يظن الناس أن ما ينتجون من زرع ليس عرضة للتلف، وأنه من الأفضل إعطاء المسكين والمحتاجين منها بدلا من منعهم عنها فيأتيها الخراب من السيول أو الجفاف، بالغرق أو الحرق.

وقد أتى لفظ «حرام» من نفس الاشتقاق. فالحرام منع النفس عن الهوى والضرر. كما أن المحروم ممنوع من حاجاته. الحرام الأول إيجابي لأنه حماية للنفس، والحرمان الثاني سلبي لأنه نقص في الحاجات. وفي سلوكنا اليوم طغى المعنى السلبي على الإيجابي بالإكثار من الحرام وعدم رعاية المحروم. وفي الأعمال الفنية هناك فيلم «الحرام» ولا يوجد فيلم عن «المحروم». وقد يقترف المحروم أحيانا الحرام كي يقيم أوده. والضرورات تبيح المحظورات.

وقد ورد لفظ «السائل» أيضا في القرآن بمعنى طالب العون أو الشحاذ ست مرات بأربعة معان متداخلة:

الأول: «حق السائل في أموال الغني»،

وفي أموالهم حق للسائل والمحروم

أسوة بالمحروم. وبالرغم من أن السؤال طلب ولكن الحق يعطى دون طلب تعففا من السؤال. ويتكرر نفس المعنى في آية أخرى،

والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم

في قضية خبرية وليست إنشائية إقرارا لواقع، وليس تمنيا لواجب.

والثاني: «تكريم السائل وحسن معاملته وعدم نهره»،

وأما السائل فلا تنهر . فالسائل صاحب حق ، والمسئول عليه واجب. السؤال اتجاه نحو الآخر، والمسئول اتجاه مقابل نحو السائل تأكيدا للتضامن الاجتماعي ولوحدة الأمة الإسلامية.

والثالث: «مقاومة هوى النفس وشحها من أجل الكرم مع السائل». فالنفس مجبولة على الأثرة وفي حاجة إلى جهد من أجل تحولها إلى الإيثار،

وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب . فالسائلون مثل الأقرباء واليتامى والمساكين وابن السبيل والأسرى.

والرابع: «المساواة في معاملة السائلين وفي العطاء لهم وإطعامهم دون تفضيل واحد على آخر». أسوياء في السؤال وأسوياء في العطاء،

وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين . هكذا فعل الله عندما خلق الأرض وجعل فيها رواسي وبارك فيها الرزق والقوت، وخلق البشر وجعلهم فيها سواء.

ومن نفس الاشتقاق يأتي «السؤال» و«التساؤل» و«المسئول». والسؤال معرفي للعارف. والتساؤل مطلب ذاتي. والمسئول هو الذي يتحمل المسئولية والوفاء بالعهد وبالوعد وبالشهادة وبتحقيقها.

ويكثر عدد الشحاذين يوما عن يوم في البلاد الإسلامية الفقيرة. يقفون في الشوارع وعلى نواصي الطرقات، في البرد والعراء، وفي الصيف والقيظ. تتركهم الدولة بلا رعاية أو تقبض عليهم باعتبارهم مجرمين يسيئون لسمعة مصر، ويشوهون صورتها أمام السياح الأجانب. ويتفننون في أساليب الشحاذة واللبس والماكياج والعرج والعمى والسير استنادا على الابن أو البنت أو الجلوس على كرسي متحرك، وعصب العينين، وربط الرأس والتلعثم في النطق لإثارة الشفقة لسائقي العربات الفارهة وهم يتنقلون بينها في إشارات المرور. وكتبت الأعمال الأدبية لتصوير أحوالهم، مثل «شحاذون ونبلاء»، تبين الجوانب الإنسانية الإيجابية فيهم بالرغم من ظروفهم الاجتماعية السيئة. ومثل «الشحاذ» عن السائل عن معنى الحياة وليس فقط السائل مثل «فريديانا» الذين يتحولون إلى أسياد، ويحاولون سلوك الأسياد، ولكن الطبع يغلب التطبع، والأصل على الفرع.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٦١