تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يوم لا ينفع مال ولا بنون . فالمسئولية فردية والجزاء فردي. ولا ينفع الأولاد ولا الأقارب لأن الأفعال فردية ونتائجها على من يقوم بها،

لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة . ويستوي الآباء والأبناء في عدم نفعهم في الآخرة،

آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا . فالأب ابن لأبيه كما أن الابن ابن لأبيه. الأولاد ذو نفع في الدنيا وليس في الآخرة. لذلك استبقى فرعون موسى الطفل لعله ينفعه في ملكه،

أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا . ولم يأمر بقتله بالرغم من نبوءة ضرورة التخلص من كل الأطفال حفاظا على ملكه من الانقلاب عليه،

لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا .

المنفعة إذن شيء إيجابي بهذه المعاني السبعة. ليست موضع اتهام إلا إذا لم تتوافر فيها شروطها. ويسرع في الحكم من يظن أن المنفعة هي بالضرورة الأنانية كما يروج لها المثاليون السذج وأصحاب ما ينبغي أن يكون ضد ما هو كائن. النافع هو الذي يمكث في الأرض، وما دونه يذهب جفاء،

فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض . (2) المنفعة مقياس صحة الإيمان

ليست المنفعة فقط أساس الدين بل هي مقياس صحة الإيمان، فالإيمان النظري المجرد لا نفع منه، ليس إيمانا، مثل العلم الذي لا ينفع «أعوذ بالله من علم لا ينفع». ليست صحة الإيمان نظرية بل عملية «والله لو آمن أحدكم بهذا الحجر أن ينفعه لنفعه»، الإيمان ليس أقوالا بل أفعالا. ليس تصورات ونظريات بل عمليات وتحقيقات. ليست له صحة نظرية في ذاته بل صحته عملية «الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل».

وثلث آيات القرآن عن المنفعة تصب في هذا المعنى في خمسة أبعاد: (1) «لا يكون الدعاء إلا لمن يجلب المنفعة ويدفع الضرر»،

ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك . ويستهجن القرآن من يفعل ذلك لأنه خبل وجنون،

قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ، وهو مناقض للعقل والحس السليم،

يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه . وكيف يدعو الإنسان ما لا يسمع مثل الأصنام وهي لا تنفع ولا تضر،

قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون ، وتزداد البلية ويعظم الكرب إذا دعا الإنسان ما يضره ولا ينفعه،

يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير . (2) «ولا تكون العبادة إلا لمن يمتلك المنفعة أو الضرر»،

أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم ، وكيف يعبد الوعي الذاتي الشيء المصمت الخالي من الوعي؟ العبادة تراسل وحوار، تساؤل واستجابة ولا تكون بين وعيين،

ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم . ومرة تبدأ الآية بالضرر قبل النفع طبقا للمبدأ الأصولي «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح». ومرة تبدأ بالنفع قبل الضرر،

ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم . ويتأكد نفس المعنى بملك النفع والضرر أي القدرة عليهما وليس مجرد النفع والضرر العرضيين،

قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا . (3) «ومع الدعاء والعبادة يأتي العلم، فمن مقتضياته عبادة من ينفع أو يضر». ومن الجهل عبادة من لا ينفع ولا يضر. والأخطر تعلم ما يضر وما لا ينفع،

ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ، وهو الجهل المزدوج، العلم بإضرار النفس وليس بنفعها. فالعلم أساس الإيمان، والإيمان يقوم على العلم، وكلاهما يتفقان على استحالة عبادة من لا ينفع أو يضر، وبالأولى من يضر دون أن ينفع. (4) «وكيف يعبد الإنسان ما لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، حجرا أصم؟»

قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا . كيف يعبد الإنسان ما لا يستجيب له ولا يرد عليه سؤاله ولا يملك له ضرا ولا نفعا،

أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا . ولو اجتمعت الأصنام كلها فإنها لا تملك لأنفسها ضرا ولا نفعا،

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٦٣