تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم . وشرط ذلك تغيير الظلم إلى عدل، بالرجوع عن الظلم، وإرجاع الحق إلى المظلوم، وذلك يتطلب يقظة الضمير وسماع صوت الحق. فإن لم تتم التوبة والاستغفار عن الظلم، وظل الظلم على غيه وانتهى العمر وأتى وقت الحساب فإنه ينال جزاءه من العذاب، ولا يمكن أن يفتدي نفسه حتى ولو جاء بمثل هذه الأرض ذهبا. ويوم الحساب يقوم على العدل المطلق،

والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ،

ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون .

والظلم إيذان بخراب العمران كما لاحظ ابن خلدون من قبل، الظلم ضعف والقوة للعدل. الظلم ريح عاتية تهب على الناس ولا تبقي،

فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا . لا يبقى الظالمون ويهلكون،

فقطع دابر القوم الذين ظلموا ،

ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا . تهلك الشعوب والأقوام بالظلم،

وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا . هذا هو قانون التاريخ. تندثر الأمم بالظلم. وتبقى بالعدل. والظلم مهما طال ينقلب على الظالمين،

وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون . لم يبق شعب ظالم. وانتهى فرعون وقومه،

فانظر كيف كان عاقبة الظالمين .

والظلم لا يخيف. ويمكن مواجهته،

إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني . فالإنسان ظلوم ولكنه خليفة الله في الأرض. يحقق كلمته، ويطبق شريعته.

وتكون المواجهة بالقول والفعل، بالجهر وبالجهاد،

لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ، والساكت عن الحق شيطان أخرس. وأذن بالقتال للذين ظلموا،

أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير . والهجرة المؤقتة من ديار الظالمين من أجل العودة إليها. فلا هجرة بعد الفتح،

والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ،

ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها . حينئذ يكون الظلم شاملا فتنهار الدول. ولا يجد الظالم من يظلمه إذا غادره الناس، وقاطعوه، وأداروا له ظهورهم.

العدل أساس العمران، والظلم خراب. وإمام كافر عادل خير عند الله من إمام مسلم ظالم. (3) العدل

مقاومة الظلم، ظلم النفس وظلم الآخر، هو اقتراب من العدل سلبا. فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح طبقا للقاعدة الشهيرة.

وقد ذكر لفظ العدل ثمانيا وعشرين مرة، نصفها أسماء، والنصف الآخر أفعال، مما يدل على أن العدل فعل ذاتي وعمل إنساني من ناحية، وقانون موضوعي تقوم عليه المجتمعات بل والسموات والأرض من ناحية أخرى. واشتقاقا يعني الاستواء والاستقامة والاعتدال. فقد خلق الله الإنسان في أحسن صورة،

الذي خلقك فسواك فعدلك .

وهو لفظ متشابه. يعني معنيين متضادين. العدل «في» وهو توخي الحق. والعدل «عن» وهو الانحراف عن الحق ومجانبة الصواب،

ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ،

والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون . والشرك عدول عن الحق،

أإله مع الله بل هم قوم يعدلون .

واصطلاحا هو كلام الله،

وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته . فالعدل يتحقق في الأرض، وهو نوع من التصديق التجريبي بصدق الوحي. هو أمر إلهي،

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، ومقرون بالإحسان ورعاية الأقرباء. فكلمة السماء تتحقق في الأرض.

والعدل ضد أهواء النفس وظلمها،

فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا . العدل ثابت، والأهواء متغيرة. العدل موضوعي عقلي، والأهواء ذاتية انفعالية.

ولا يمنع أحد من تحقيق العدل مهما بلغ مقامه وشأنه،

ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا . فالعدل أقوى من الأهواء والمصالح، وهو أقوى من جماعات الضغط والطبقات الاجتماعية العليا.

العدل والظلم نقيضان لا يستويان،

هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم . الظلم طريق معوج، والعدل صراط مستقيم. بينهما صراع لا حل له إلا بنفي العدل للظلم وقضاء عليه وتعويض له.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٥٢