تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدين واقع بنص القرآن،

وإن الدين لواقع . فالدين ليس مجرد مواجيد للنفس ولا أحوال لها كما هو الحال في علم النفس الديني، مجرد تعبير عن رغبات وأمنيات وتمنيات لعالم أفضل، ظاهرة ذاتية خالصة. تتبخر بتغير أحوال النفس. الدين حلم لم يتحقق، وأمل صعب المنال. وقد يغالي البعض ويجعله من اختراع النفس وتجسيدا للوهم، أسطورة من صنع البشر. الدين واقع، له وجود فعلي في حياة الأفراد والمجتمعات، وليس وهما أو أسطورة. يقوم على المسئولية الفردية وقانون الاستحقاق الذي سماه القدماء «الكسب» أي ما يحصل عليه الإنسان بنفسه،

مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم . فالإنسان لا يستطيع أن يتخلى عن نتائج أفعاله، وهو واقع تحت المسئولية القانونية. الإنسان حر عاقل مسئول، في الدنيا والآخرة.

ولا شيء يستعصي على الوقوع حتى الجبال،

وظنوا أنه واقع بهم . فالوقوع أشبه بقانون الجاذبية. كل شيء يتجه نحو الأرض، الماء والطير والريح والحرارة والبرودة. إذن الخطاب الديني الذي يقوم على الوعظ والإرشاد معتمدا على الانفعالات الإنسانية، والإحساس بالذنب وضرورة التوبة وطلب المغفرة مع البكاء والنحيب كما يفعل الدعاة الجدد خطاب لا واقع له. الواقع هو حياة الناس وما يدور فيها من فقر وجوع وعطش وعوز. لذلك كثيرا ما يتحدث القرآن عن الفقراء والمساكين وأبناء السبيل والأسرى وهم بتعبير المعاصرين «المعذبون في الأرض».

الواقع أيضا هو التوقع لنتائج الأعمال الإيجابية أو السلبية، الثواب والعقاب، الوعد أو الوعيد،

إنما توعدون لواقع . والأهم هو توقع العذاب يوم القيامة نتيجة لسوء الأعمال،

إن عذاب ربك لواقع ، وليس مجرد تخويف أو ردع الغاية منه تربية النفس وإصلاحها، وهو ما يسأل عنه أصحاب السيئات،

سأل سائل بعذاب واقع . قد يتنازل الإنسان عن الثواب، ولكنه لا يستطيع أن يتفادى العقاب.

إذن تصور الدين واقعا ليس كفرا وإلحادا وإنكارا للوحي، ولا مادية، ولا ماركسية، ولا وضعية، ولا برجماتية ولا نفعية، بل هو صلب الدين. الدين بلا واقع سماء بلا أرض، ماء معلق في الهواء، لا يروي ولا ينبت. (4) التنزيل

مما يؤكد صلة الوحي بالواقع مفهوم «التنزيل»، وهو أيضا لفظ قرآني ورد أكثر من لفظ «الواقع» حوالي ثلاثمائة مرة. أكثرها اسم صلة «ما نزل» (سبعا وسبعين مرة) للدلالة على الشيء العام حسيا أو معنويا. بعد ذلك يأتي الكتاب (أربعا وأربعين مرة) أي الوحي ثم الماء (اثنتين وثلاثين مرة) مما يدل على أن النزول من السماء من أعلى إلى أدنى إما فكرا وهو الوحي أو ماء لنبات الأرض. وكلاهما نبت. الأول في الشعور، والثاني في الأرض. كلاهما تخصيب ونماء. الأول في الوعي، والثاني في الطين.

ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء (العنكبوت: 63)،

والذي نزل من السماء ماء بقدر (الزخرف: 11) حتى تنبت الأرض دون فيضان أو جفاف، وهو ماء مبارك،

ونزلنا من السماء ماء مباركا . ومع الكتاب يذكر الحق، والفرقان، والحديث، والذكر، والقرآن، والحكم، والآية، والسورة، والفضل، والأمر، والنور، والسكينة، والتنزيل. وكلها تدل على النزول المعنوي. ويدخل في ذلك التوراة والإنجيل. ومع الماء يذكر الغيث، والملائكة، والشياطين، والمائدة، والرزق، والمن، والسلوى، والجبال، والبرد، والجنود، والأنعام، والحديد، والرجس، والسلطان. والنزول يكون بالحق ومرتبط به (ثلاث مرات). وبالتالي ارتبطت الألفاظ الثلاثة: الوحي، والواقع، والنزول. وما ينزل له سلطان، أي له قوة التحقق والوقوع. وكل ما ينزل دون حق لا يكون له سلطان. لذلك ارتبط النزول بالسلطان (ثماني مرات). ونزول الحق للذكر والحفظ والبقاء. ويكون الحفظ والبقاء نصا مدونا بلا تحريف، وفكرا صائبا بلا تشبيه، وسلوكا خالصا بلا مواربة. ويحدث ذلك كله في الشعور وفي الذهن وفي الفكر والسلوك، في الفرد والجماعة، في الحاضر وفي التاريخ والماضي والمستقبل. يحدث للتصديق والبيان والهدى والرحمة والشفاء والحكم حين الاختلاف والأمر والسكينة والفرح ... إلخ، تنزيل في عالم الحياة.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٥