تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعليها يتفق رجال الدين وعالم الاجتماع. وهي التجربة التي يلجأ إليها أيضا الخطاب السياسي لتبخيرها وتخديرها والإيماء بالحل القريب لها، والدعوة إلى الصبر حتى يتم عبور عنق الزجاجة أو لأن التكاثر السكاني يلتهم كل معدلات التنمية «تناسلوا، تكاثروا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة»، بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار العالمية. لذلك اشتهرت وذاعت التمثيليات التليفزيونية التي تعالج القضايا الاجتماعية مثل ذيوع مباريات كرة القدم.

اليسار الإسلامي وتعدد مناهجه هو الذي يوحد بين الخطابات المتصارعة ويقارب بينها. فالخطاب الديني النصي لرجل الدين يكتمل في الخطاب الاجتماعي الإحصائي لعالم الاجتماع. وكلاهما يجد مصداقيته في تحليلات الأدباء والفنانين والفلاسفة الذين يصورون الواقع من خلال معاناة الناس. وبالتالي تقل حدة الاستقطاب الحالي بين السلفيين والعلمانيين بتوجيه كل من الفريقين حول مصالح الناس ومعاناتهم اليومية. فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم. وكما يتقدم الأدب والفن كذلك يتقدم الفكر والعلم بدلا من اغترابهما خارج الزمان والمكان.

وهذا ما فعله لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا وما زال الوطن العربي والعالم الإسلامي فيه متأخرا. واليسار الإسلامي إحدى صياغاته العملية دون الدخول مؤقتا في المسائل العقائدية التي ما زالت عندنا من المقدسات التي لا يمكن إعادة تأويلها، وهو نوع من دراسات الثقافة الوطنية وعلاقتها بالتغير الاجتماعي، وهو ما يمكن أن يلتقي عليه خصماء الوطن والإخوة الأعداء، وهو أيضا صياغة منطق الإصلاح صياغة جديدة حتى يتحول من الإنشائيات والخطابات الفضفاضة إلى خطاب دقيق، يجمع بين تحليل الخطاب الديني، وتحليل الواقع الاجتماعي، ووصف الخبرات الحية. فالإصلاح بعد كبوته الأولى في حاجة إلى إصلاح ثان ينهض من جديد. يتعلم من تجربته الأولى ويضع أسسا منهجية لتجربته الثانية. (3) الوحي والواقع

ليس الوحي مجرد كلام أو خطاب أو رسالة أو تبليغ بل هو تنزيل أي اتصال بين السماء والأرض، بين الله والعالم. الواقع هو مكان نزول الوحي كما هو معروف في «أسباب النزول». وتعاد صياغة الأحكام الشرعية طبقا لقدرات الواقع وعدم جواز تكليف ما لا يطاق كما هو الحال في «الناسخ والمنسوخ». وقد كتب بعض الإصلاحيين من قبل عن «فقه الواقع».

ولفظ «الواقع» لفظ قرآني. ذكر ومشتقاته أربعا وعشرين مرة بوضوح وقوة. منها إحدى عشرة مرة اسما، ولفظ «واقع» ست مرات. وواقعة مرتان. وذكرت مشتقاته وقعة، مواقع. وقد يكون الواقع شيئا حسيا مثل الجبل أو النار أو شيئا بين الحسي والمعنوي مثل السماء أو يوم القيامة في المستقبل. والغالب هو الواقع المعنوي سلبا مثل العذاب والرجس والرجز والإثم أو إيجابا مثل الأجر والحق والقول والوعد والدين والكسب. والأكثر استعمالا هو وقوع الشيء من تلقاء نفسه مثل الحق والقول. فالحق فكر وواقع، نظر وعمل. الحق قول، والقول حق. والوحي حق نظرا، وواقع عملا. الحق واقع، والواقع حق وهي الواقعة أي يوم القيامة، واقعة لا تكذب. الواقع صدق، وهو محك التصديق. ليس الصدق تطابق النتائج مع المقدمات كما هو الحال في المنطق الصوري بل هو وقوع الحق، مطابقة الفكر للواقع كما هو الحال في المنطق التجريبي. لذلك ارتبط الواقع بالصدق، وعدم الوقوع بالكذب. كما أن جزاء العمل إيجابا أم سلبا واقع نظرا لارتباط نتيجة الفعل بالفعل ارتباطا سببيا. إذا وقع الفعل وقعت النتيجة.

لفظ «الواقع» من أكثر الألفاظ قربا إلى الروح العربي الآن. تردد في الفكر العربي المعاصر، وأصبح شرطا لتقدمه في الفن والفكر والسياسة. وأصبح اللاواقعي نقدا. بل أصبح غياب الواقع في حياتنا الثقافية أحد الأسباب الرئيسية للتخلف. لا يعني الواقع ما هو شائع من ضرورة قبول الأمر الواقع بمعنى التسليم بكل ما يجري من هزيمة وفقر وقهر. فهذا إنكار للمقاومة. فالمقاومة والرفض والاعتراض أيضا واقع. المثال واقع أكثر من الواقع. وكما قال فشته، الفيلسوف الألماني، من قبل: «لو آمنت بمثل أعلى أنه موجود. ثم اتضح لي فيما بعد أنه غير موجود. فليس خطئي أنني آمنت به. بل خطؤه هو أنه غير موجود».

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٤