ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة
وليست هشيما أصفر تذروه الرياح. ويستعمل القرآن جماليات الألوان، الأصفر رمزا للقحط والعطش والجفاف من أجل الحث على الزراعة، والأحمر رمزا للنار والحديد من أجل الدفع نحو الصناعة، والأسود رمزا للعتمة واليأس والذنب، والأبيض رمزا للصفا والنقاء والأمل.
الخضرة حياة الأرض. والماء يحول الجماد إلى حياة، والأرض إلى نبات
وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها . وقد كانت أعلام معظم الدول العربية الإسلامية خضراء رمزا لاخضرار الأرض. ثم أصبح اللون الأخضر رمزا للسلام في المسيرة الخضراء أو الاستقلال الأيديولوجي كما هو الحال في «الكتاب الأخضر». بل أصبح رمزا إلى الطرق الصوفية، العمامة الخضراء، والبيارق الخضراء، والأردية الخضراء رمزا للنماء وثراء الروح وإن كانوا من الزهاد والفقراء.
الأرض ثابتة هامدة ساكنة. فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت، تحركت وحيت
وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت . فالحياة نماء وحركة، طاقة وتطور حتى لا يتهم المسلمون بالثبات والجمود والخمول والتخلف عن مسار التطور. وإذا كان الاجتهاد هو مبدأ الحركة في الإسلام والارتقاء في المقامات والأحوال لدى الصوفية دليلين على التطور والنماء في الفكر فإن حركة الأرض عن طريق الماء والخضرة هو القرين للفكر. (8) إصلاح الأرض
والأرض موطن للإصلاح وليس للإفساد، للتعمير وليس للخراب. ولما كان الإفساد هو الشائع فقط استعمل لفظ الإفساد في الأرض أكثر من لفظ الإصلاح لأن الإفساد هو الأخطر، وهو القاضي على العمران. واستعمل الإصلاح أكثر في إصلاح ذات البين، والإصلاح بين الزوجين، والإصلاح بين الناس.
والفساد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي هو جزء من الفساد في الأرض. فلا يعني الفساد في الأرض فقط ما تفعله إسرائيل بتدمير مظاهر الحياة على الأرض الفلسطينية وكما فعلت أمريكا في فيتنام، قتل كل شيء يتحرك. وعادة ما يكون الفساد من المستعمر والمحتل والمعتدي، ولكنه أيضا الإفساد الداخلي من الحكام من أهل البلاد مثل تزوير الانتخابات، واعتقال المعارضين، وحبس رؤساء تحرير الصحف، وتهريب الأموال، واحتكار تجارة الحديد والأسمنت، وتراكم رءوس الأموال في أيدي القلة، والرشاوى والعمولات، والتهرب الضريبي. بل أصبحت ظاهرة الفساد من أهم ظواهر مرحلة ما بعد الاستعمار وقيام الدول الوطنية.
الإفساد في الأرض اتباع للأهواء، وبالتالي الإصلاح فيها هو الحق،
ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض . بل ويمتد الفساد من الأرض إلى السماء. إذا فسدت السماء، أي أسس الفعل، فسدت الأرض، أي نتائج الفعل. الإفساد تغليب للمصلحة الشخصية على المصلحة العامة، وإيثار الأنانية على الغيرة، والمحسوبية على الحق.
ومن مظاهر الفساد في الأرض قتل الأبرياء وإزهاق الأرواح،
من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ، وهو ما يحدث في السجون والمعتقلات في الداخل كما تفعل كثير من نظم الحكم، والعدوان من الخارج كما تفعل إسرائيل في فلسطين. يعادل الإفساد في الأرض قتل النفس وهو جزاء الإفساد،
ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض . ليس منع الفساد بالضرورة عن طريق القصاص بل الإبعاد عن الأرض موطن الفساد.
الإفساد في الأرض إبخاس الناس أشياءهم والنيل من حقوقهم،
ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض . وعدم المساواة في الحقوق والواجبات، وتقديم المفضول على الأفضل عن طريق الوساطة والرشوة.
ومن مظاهر عصيان الأنبياء اتهامهم بالإفساد في الأرض،
أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك . فالإفساد والإصلاح رؤى وأحكام قبل أن يكونا أفعالا وأعمالا. ومع ذلك الإفساد والإصلاح لهما مقاييس موضوعية مثل إحياء النفس أو قتلها، إعمار الأرض أو تخريبها. فلا تتحول الرؤى الذاتية إلى تضحية بالمعايير الموضوعية.