قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض . فالاختيار ليس لإنسان بشخصه بل لأفعاله أو لشعب بعينه بل لتحقيقه كلمة الله كنظام مثالي للعالم، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمساواة بين البشر، وهو ما يسمى أيضا بالتمكين، اللفظ الذي أصبح مشهورا في علم الاجتماع بمعنى تمكين المرأة أي زيادة سلطتها ورفع المعوقات عنها
ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش . وقد مكن الله للأنبياء. فالنبي هو النموذج الأولى للإنسان
وكذلك مكنا ليوسف في الأرض .
وتعني الخلافة أيضا تعمير الأرض وليس تدميرها، زرعها وليس جرفها، ريها وليس حجب الماء عنها. فالإنسان نشأ في الأرض وفيها يقيم، وعليها يموت
هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها . ولا يعني الاستعمار هنا احتلال أراضي الغير والعدوان عليها وطرد شعبها منها، فالإعمار ليس ظلما لأحد وليس عدوانا من أحد كما فعل المستعمرون والمستوطنون في الوطن العربي والعالم الإسلامي.
والإنسان أمين على خزائن الأرض مسئول عن زراعتها وتعميرها وإطعام الناس وعدم تجويعهم أو حصارهم أو منع المياه والطاقة عنهم
قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم .
وكل شيء في الأرض مسخر لصالح خلافة الإنسان في الأرض
والسحاب المسخر بين السماء والأرض
لهبوط المطر طبقا لحركة الريح. فالطبيعة طيعة للإنسان، وقوانينها خاضعة لإرادته مثل إقامة السدود والخزانات وطواحين الهواء وتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية ومساقط المياه وحركة الأمواج.
وهو خليفة قوي في الأرض، والخلفاء فيها ليسوا ضعفاء أو مستضعفين. والمؤمن القوي خير عند الله من المؤمن الضعيف. فالضعف وهم، وتضييع للخلافة، وتخل عن الأمانة
قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض . ويثبت التاريخ أن المستضعفين في الأرض الذين على حق يتحول ضعفهم قوة. فقد خلقت الأرض للمستضعفين، ووراثتها للمستضعفين
وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض . وقد نشأت كل أمة مستضعفة كما حدث للإسلام في أول عهده وللنصارى في بداية النصرانية ثم تحولوا إلى قوة
واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض .
والاستضعاف وقتي في زمان ومكان معينين. والأرض واسعة. إن استضعف قوم في بقعة تكون الهجرة إلى أرض فسيحة رحبة واجبة كما حدث في هجرة الرسول، وهجرة موسى، وهجرة إبراهيم،
ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا . فكل عسر بعده يسر كما أن كل يسر بعده عسر. وتلك هي هشاشة البشر. لا تضيق الأرض على أحد. فرحمة الله واسعة
ضاقت عليهم الأرض بما رحبت .
والضرب في الأرض أي الجهاد فيها والكد عليها ضروري. والموت شهادة
قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا . ومن لا يجد ما يجاهد به يجاهد بالعلم أو بخدمة المحاربين ومداواتهم في الصفوف الخلفية
لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف . والجهاد في سبيل الله يبيح التقصير في الصلاة تطبيقا لواقعية الشريعة وقواعد الضرورة
وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا .
وبالرغم من خلافة الإنسان في الأرض إلا أن ذلك لا يستدعي منه الكبر والخيلاء
سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض . فالله وحده هو الذي له الكبرياء في الأرض. فالإنسان بالرغم من عظمته لوعيه بنفسه وبالناس وبالعالم إلا أن الأرض والجبال أقوى منه
إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا . وقد علا فرعون في الأرض. تكبر، وتجبر، وتأله. والمسرف في تعظيم قدرته
وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين . الكبرياء في الأرض أي الاعتزاز بالنفس للأنبياء وللمؤمنين
وتكون لكما الكبرياء في الأرض .
ومن يتولى عن الخلافة أو يعمل على نقيضها فإنه يفقد دوره في الأرض. وبدلا من أن يسير عليها، ويجاهد ويكبر فإنه يتوه فيها كما حدث لبنى إسرائيل