تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التجربة المشتركة مع القارئ وإشراكه في التفسير إلى أي حد يعبر عن حاجاته ويلبي مطالبه، ويحقق أمنياته، ويقضي على حرمانه، وينهي سلبيته، ويشركه في إعادة بناء ثقافته الوطنية، وإعادة تفسير كتابه. إلى أي حد يعبر التفسير الجديد عما يجيش في صدره، وما يخاف من الكشف عنه للقضاء على ازدواجية الخطاب والشخصية والفصام بين القول والعمل دفاعا عن الصدق في القول والإخلاص في العمل؟ فإذا وعى القراء فإنهم يتحولون إلى وعي جمعي وكتلة تاريخية تساهم في عملية التغير الاجتماعي، وتشارك في صنع التقدم التاريخي. وبالتالي تتحرك الأمة، وتعود إلى مسارها في التاريخ لتنهض في دورة حضارية ثانية، تنهي بها عصرها الوسيط، وتبدأ بها عصورها الحديثة. (2) النص والواقع

اليسار الإسلامي رؤية منهجية للفكر الديني وعلاقته بالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي للعصر. فهو تحقيق منهجي ومنطق فكري لدعوات الإصلاح السابقة ورفع شعار الجمع بين التراث والتجديد، القديم والجديد، الأصالة والمعاصرة، الماضي والحاضر.

وقد تعود الناس على خطابين. الأول خطاب ديني يعتمد على النصوص وتفسيرها خارج الزمان والمكان ، خاصة ولو كانت نصوصا عقائدية شعائرية خالصة أو نصوصا تتعلق بأمور الآخرة. وظيفته الترويح عن النفس، وتبخير الأزمات، والتعويض الروحي، والانتقال من هذا العالم البائس الشقي إلى عالم آخر، عالم السعادة والنعيم، وهو الخطاب السائد في معظم خطب الجمعة والبرامج الدينية في قنوات الفضاء. والثاني خطاب اجتماعي علمي. يحلل الواقع الاجتماعي الإحصائي بدعوى الالتزام بالموضوعية وإعطاء الحقائق على الأرض كما هي دون تأويل ذاتي أو توجيه أيديولوجي، وهو ما يستحيل أيضا في العلوم الاجتماعية. فكل تحليل كمي له قراءة كيفية. وكل واقع له رؤية. فالواقع متغير ومتحرك ومتطور. ينتقل من مرحلة إلى مرحلة. فالعلم الاجتماعي يرصد مسار التغير الاجتماعي إلى الوراء لا إلى الأمام، وهو ما يسمى بمعارك التخلف والتقدم. الخطاب الأول نص دون واقع. والخطاب الثاني واقع دون نص.

وإذا كان رجل الدين مستنيرا فإنه ينتقل من النص إلى الواقع. ومن كلام الله إلى أوضاع البشر حتى يكون خطابه أكثر دلالة وأوقع عند الناس. يجدون للنص صدى في حياتهم اليومية. وقد يغالي البعض في ذلك فيتحول الخطاب الديني إلى نقد اجتماعي خالص للسلطة والعادات الاجتماعية خاصة الجنسية منها في علاقة الرجل بالمرأة، والذكر بالأنثى، والشاب بالشابة، والفتى بالفتاة. فما زالت هناك دوائر ثلاث في الثقافة الموروثة يحظر الاقتراب منها: الدين، والسياسة، والجنس. ولو كان علم الاجتماع مستنيرا، ويعلم أن الظاهرة الاجتماعية في صحيحها تراكم ثقافي، ومتصل تاريخي فإنه يحيل إلى الثقافة الشعبية ويكتشف أن مكونها الرئيسي النص الديني والمثل الشعبي فيحيل إليه من باب تعليل الظواهر الاجتماعية والكشف عن مكوناتها ووضع أساليب تغييرها.

وهناك منهج ثالث يلتقي فيه الخطابان الديني والاجتماعي، وهو منهج تحليل الخبرات اليومية ومعاناة الناس حتى ينزل الخطاب الديني على واقع حي، ويأخذ الخطاب الاجتماعي الإحصائي دلالات حية من تجارب الناس. فالأرقام صياغات كمية لحالات نفسية. والواقع الإحصائي لا يتكلم بنفسه، وهو مجرد ترجمة لمعاناة الناس. فالبشر هم الأساس. هم حلقة الوصل بين الدين والمجتمع، بين النص والواقع، بين الخطاب الديني والخطاب الاجتماعي.

يستعمل اليسار الإسلامي هذه المناهج الثلاثة في آن واحد لتوحيد الخطاب الثقافي ولتجاوز الاستقطاب الحالي بين السلفيين والعلمانيين، وهو أساسا استقطاب في الخطاب وفي مناهج التفكير. فهو يبدأ من النص مثل رجل الدين. ويختار الموضوعات الأكثر إلحاحا طبقا لفقه الأولويات ولعموم البلوى. ولا يبدأ بموضوعات كسبت من قبل مثل العقائد والشعائر أو بموضوعات تخرج عن شهادة الحس والعقل والوجدان ويصعب الوصول فيها إلى يقين. صنفها القدماء على أنها من السمعيات التي لا تعتمد إلا على الرواية مثل أمور الآخرة. ويبدأ بتحليل ألفاظ الأرض والعدل والظلم والصلاح والفساد، والتقدم والتأخر، والإعمار والاستقلال، وهو ما تحتاجه الأمة اليوم، عربية أو إسلامية. ويبدأ أيضا من الواقع مثل عالم الاجتماع. فالفقه أساسا هو فقه النوازل بلغة المغاربة أي فقه الواقع بلغة العصر. وما لم ينزل النص على نازلة يظل دائرا في الهواء حائرا، لا زمان له ولا مكان. وعلى هذا النحو يصدق النص في الواقع، والواقع يجد تأويلا له وقراءة في النص. لذلك تلزمه الإحصائيات الدقيقة، من يملك ماذا؟ ومن يسيطر على من؟ ومن يحتكر ماذا؟ ومن يستغل من؟ ومن يسرق ثروة من؟ والإحصاء لغة العصر. والرقم هو النص الجديد. ويبدأ ثالثا بتحليل الخبرات الحية عند الناس. فاللغة المباشرة أشد تأثيرا في الناس وأبلغ من تأويلات النصوص وإحصائيات الواقع. وقد برع بعض المشايخ والخطباء في ذلك تملقا لأذواق الجماهير، ودغدغة لعواطفهم، وإثارة لأشجانهم وأحزانهم لدى مشايخ الفضاء بدعوى صنع الحياة، وعدم الحزن، ومشاكل الشباب والمجتمع. وتحول بعضهم، رجالا ونساء، إلى خبراء في التحليل النفسي لمعالجة مشاكل الشباب وفي مقدمتها الزواج. وهي مادة الشعراء والأدباء والفنانين والسينمائيين التي لا يختلف عليها أحد، سلفيا كان أم علمانيا. ففي التجربة الحية يتوحد النص والواقع.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٣