تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأينما تولوا فثم وجه الله ،

كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ،

فإن الله غني عن العالمين . الله منزه، قائم بذاته، قديم باق وواحد. لا الأرض ولا الشعب ولا المدينة ولا المعبد من صفاته أو أوصافه أو أسمائه أو أفعاله. فلسطين والقدس والمعبد بالنسبة لليهود جزء من العقيدة اليهودية في حين أنها ليست جزءا من العقيدة الإسلامية. هي وقف إسلامي أي جزء من الفقه والشريعة. والفقه متغير، أحكام بشرية تتغير بتغير العصور. وقد تغير العصر وعانى اليهود من المحرقة في ألمانيا ومن كافة صنوف الاضطهاد والتطهير العرقي في روسيا وأوروبا الشرقية بل والغرب بعد حادثة داريفوس ونشأة اللاسامية. وقد آن الأوان لإعطاء أرض بلا شعب إلى شعب بلا أرض.

أمام هذا الوضع ماذا يفعل المفكر العربي؟ فالمعركة بيننا وبين الكيان الإسرائيلي ليست فقط بالسلاح، مرة لك ومرة عليك، وليست فقط بالانتفاضة سلمية أو مسلحة، وهو تكليف ما لا يطاق. وليست فقط بالموقف العربي الموحد وراء فلسطين وهو صعب المنال. وليست فقط بالتعاطف الدولي الذي لا يتعدى الأقوال إلى الأفعال. وليست مؤجلة إلى أجيال قادمة قادرة على النصر وتحرير فلسطين والأقصى، فالأجيال الحالية تريد الهجرة خارج الأوطان كما يحدث الآن في العراق من تفريغه من شعبه كما حدث في فلسطين في 1948م، نكبة ثانية بعد النكبة الأولى.

معركة المفكر العربي هي إعادة بناء الموروث القديم، وتحويل الأرض من ثقافة شعبية إلى ثقافة سياسية. صحيح، هناك يوم الأرض، وفرقة الأرض، وفيلم الأرض، وأغاني الأرض، وشعر الأرض. «آه، يا جرحي المكابر. أنا لست المسافر، ووطني ليس حقيبة. إنني العاشق والأرض حبيبة.» لا يكفي أن يقبل الأسير الفلسطيني العائد إلى فلسطين تقبيل الأرض بل أن تتحول الأرض إلى جزء من عقيدة الأمة.

لقد ظل الصليبيون قرنين ونصفا في أوطاننا. وإسرائيل مزروعة في الأرض منذ ستة عقود. وقد بدأ صلاح الدين في معركة القدس بالقضاء على الصوفية أنصار التوكل والصبر والرضا والخوف والخشية والمحبة، والقضاء على المهدية التي تريد الخلاص في المستقبل. إعداد الأمة بالثقافة السياسية جزء من الإعداد للمعركة، ليس عن طريق حماسيات إدارات التوجيه المعنوي بل بإعادة تأسيس العقيدة على الأرض. فالأرض جزء من الألوهية

رب السموات والأرض ،

وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله .

على هذا النحو يستطيع المفكر العربي أن يساهم في صمود سوريا وحزب الله وإيران، ليس فقط بالجهاد المسلح المتهم بالعنف والإرهاب، بل عن طريق إعادة بناء الموروث القديم، وجعل الأرض محور العقيدة وبؤرة الثقافة السياسية، والدخول في حوار الأديان، وحوار الحضارات، وحوار الثقافات، والأرض في الأذهان والشعب في القلوب. (2) الله والأرض

ذكرت الأرض في القرآن عدة مرات (461 مرة). فهي أحد الموضوعات الرئيسية فيه وليست موضوعا هامشيا. وذكرت معرفة بالألف واللام في معظم الحالات؛ أي إنها ليست ملكا لأحد أو تنسب لقوم، ومعرفة بضمير الملكية (خمس مرات) وضمير المتكلم الجمع «أرضنا» (ثلاث مرات)، وضمير المتكلم المفرد «أرضي» (مرة واحدة)، وضمير الغائب الجمع «أرضهم» (مرة واحدة). فالأرض لنا، نحن المسلمين، ولي، الفلسطيني القابع فيها منذ آلاف السنين، ولهم، المطرودون الغائبون عنها تحت اسم اللاجئين. وذكر لفظ «الأرض» مجرورا بالإضافة (331 مرة) أكثر منه منصوبا أي مفعولا به (86 مرة) أي إنها مجال الفعل، والأقل هو الفاعل (34 مرة)، فالأرض لا تفعل بنفسها بل تتلقى فعل الأفراد والجماعات عليها.

وقد ذكرت هذه الآيات المئات في ست مجموعات: خلق السموات والأرض ونهايتهما، ملك السموات والأرض وميراثهما، اتساع الأرض واستقبالها الفعل الإنساني، تسخير الأرض للإنسان، إعمار الأرض والاستقرار والسكن فيها، إحياء الأرض بما فيها من نبات وحيوان.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٣٥