الفصل الثالث
| الأرض
(1) الأرض
للألفاظ أيضا فقه الأولويات. وما زالت الألفاظ المستعملة في خطابنا الديني يغلب عليها الألفاظ التقليدية الموروثة التي لا صلة لها بالواقع المعاش ولا ظروف العصر. تعتمد في معظمها على النقل دون العقل، من عالم الغيب وليست من عالم الشهادة، موضوع للتصديق الإيماني دون برهان عقلي ومن ثم هي أقرب إلى الظن منها إلى اليقين طبقا للأشاعرة لأنها تعتمد على النقل وحده دون العقل.
ومنها ألفاظ المعاد، ما يحدث بعد الموت ابتداء من عذاب القبر ونعيمه وكل أهوال القيامة ومناظر الحشر من صراط وميزان وشفاعة وحوض وأوصاف الجنة والنار. وكلها من الخبر وليست من المعاينة. أولها المعتزلة والفلاسفة. الحياة بعد الموت هي الرغبة في الخلود، والميزان هو العدل والاستحقاق، والجنة والنار هما الرضا عن النفس أو تأنيب الضمير، النعيم المعنوي والعذاب المعنوي.
وقد تأتي الألفاظ من العقائد الأشعرية مثل الإيمان والكفر، والكبائر والصغائر. وقد تأتي من الفقه مثل الحلال والحرام والأمر والنهي. وقد تأتي من التصوف مثل الصبر والتوكل والخوف والخشية والرضا والتسليم والفناء والمحو والفقد. ولا نستعمل ألفاظا نحن في أمس الحاجة إليها تجذب الشباب نحو العلمانية والغرب مثل الحرية والديمقراطية والتعددية والرأي والرأي الآخر. وتمتلئ القنوات الفضائية والإذاعات وصفحات الفكر الديني بهذه الألفاظ التقليدية حتى أصبح الدين عالما مغلقا منفصلا عن الحياة، له رجاله، بضاعة رائجة في وقت يتمسك الناس فيه بالموروث كطوق نجاة من أزمة العصر واضطراباته. وتمتلئ البرامج الدينية بهذه الألفاظ مثل «نور على نور». وإن تغير بعضها مثل «العلم والإيمان»، «الشريعة والحياة» فإنها تدور أيضا حول المفاهيم التقليدية واستعمال الجديد لتأصيل القديم. ويصل الأمر إلى كتب التربية الدينية في المدارس في دروس هامشية ليس بها نجاح ورسوب، ولا تضاف إلى المجموع، يفصل فيها بين المواطنين طبقا لدياناتهم، الإسلام للمسلمين، والنصرانية للنصارى. فتكرس القسمة الطائفية في التربية والتعليم. وبمجرد ما يعي الطالب، مبكرا في الثانوية أو متأخرا في الجامعة، يترك الدين الذي لم يشده إلى الأيديولوجيات العلمانية للتحديث، ليبرالية واشتراكية وماركسية وقومية ليشبع بها فكره السياسي ويساعده على ممارسة مواطنته والتزامه الاجتماعي. وقد يهاجر إلى الخارج بحثا عن الرزق والحلول الشخصية للمشاكل العامة. وقد ينضم إلى الحركات السرية التي تعده بكل شيء في المستقبل كرد فعل على لا شيء في الحاضر. وقد يظل حائرا بين هذا وذاك، يندب حظه، وينعي نفسه وينتظر الفرج فلا يأتي فيموت.
وفي نفس الوقت نحن أمام عدو يتحدث عن «أرض إسرائيل» ويقصد بها فلسطين. ويدعو يهود العالم إلى الهجرة إليها والاستيطان فيها، من «الدياسبورا» إلى «العاليا»، من «الشتات» إلى «العودة». وقد بدأت حركة الاستيطان منذ أوائل القرن التاسع عشر بعد عدة محاولات من المفكرين اليهود مثل مارتين بوبر بتغيير القيم اليهودية الموروثة من قراءة التوراة كأعظم فعل فاضل وأول أمر إلهي إلى الهجرة إلى فلسطين والاستيطان في الأرض، والتحول من بدو إلى مزارعين، ومن رحل إلى مستوطنين، فزرعوا الأرض، وبحثوا عن مصادر للحياة، وبنوا المستوطنات، المزارع الجماعية، الموشاف. وكلما زادت الهجرة تم طرد الفلسطينيين وإحلال المهاجرين اليهود محلهم. وما زال التوسع كل يوم قائما. فالأرض هي الأرض المقدسة، وعدهم الله بها في العهد القديم، عهد نوح الذي جدده إبراهيم والذي قننه موسى. فاليهودي لا يستطيع أن يعيش إلا في هذه الأرض، أرض الميعاد، وإلا في هذه المدينة، القدس، المدينة المقدسة. ولا يستطيع أن يعبد الله إلا في هذا المعبد، هيكل سليمان الذي لا بد من إعادة بنائه حتى تصح العقائد اليهودية، ويستطيع اليهود ممارسة شعائرهم. وإذا مات اليهودي خارج الأرض المقدسة فإنه يدفن حيث مات ويضع تحت رأسه كيسا فيه حفنة من تراب فلسطين وكأنه دفن هناك. وغزت إسرائيل كل الجامعات الغربية، الأوروبية والأمريكية، وكل أقسام الدين وتاريخ الدين والفلسفة فيها بموضوع «الله والشعب والأرض» كفرع من «اللاهوت الجديد». فلا يمكن تصور الله بدون الشعب المختار. ولا يمكن تصور الشعب المختار دون أرض المعاد، أرض الآباء والأجداد. فالشعب والأرض جزء من الألوهية. أما نحن المسلمين فالأرض ليست جزءا من العقيدة، الله لا زمان له ولا مكان، ولم يختر شعبا بعينه