اليسار الإسلامي تيار غربي يقلد «لاهوت التحرير» في المسيحية خاصة. والحقيقة أن اليسار الإسلامي استئناف لحركات الإصلاح التي أسسها الأفغاني وإقبال، وتطويرها كي تصبح أكثر جذرية وقدرة على التأثير في العالم وإصلاح المجتمعات وتأسيس نهضة الشعوب. وقد سبقت الديانات الأخرى مثل المسيحية والبوذية الإسلام في وضع أسس «لاهوت التحرير» المعاصر في تحقيق المشاريع القومية في الحرية والعدالة، والاستقلال والتنمية ابتداء من تراثها. كان القدماء منتصرون على الأرض فصاغوا العقائد النظرية. ونحن منكسرون على الأرض في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير، وكلها تحت الاحتلال المباشر، وما زلنا نتحدث عن عذاب القبر ونعيمه، ومنكر ونكير، ونواقض الوضوء وحلق عانة الميت، وإرضاع الكبير. كما أن هذا الشبهة تعطي النفس أقل مما تستحق، وتعطى الغرب أكثر مما يستحق. وترجع كل تقدم وإبداع عند الأنا إلى منابعه ومصادره عند الآخر وكأن الأنا أصبح عقيما رضي بأن يكون تلميذا إلى الأبد، والآخر هو المبدع والمعلم. ولقد استطاع الإسلام في الماضي القيام بنهضة من الداخل وتأصيله في إبراهيم ولم ير غضاضة في التعامل مع الحضارات المجاورة، يونانية ورومانية غربا، وفارسية وهندية شرقا، والآن أوروبية شمالا، وأفريقية جنوبا. (5) «اليسار الإسلامي خلط بين الدين والسياسة، يرغب في الوصول إلى الحكم.» هو مجرد توزيع أدوار داخل الحركة الإسلامية التي ما زالت تسعى للوصول إلى السلطة. اليسار الإسلامي مجرد واجهة إعلامية مستنيرة تقوم بدور الغطاء النظري للحركات الإسلامية المحافظة التي تمارس العنف بل والإرهاب. والحقيقة أن الإسلام لا يفرق بين الدين والسياسة كما يفعل الغرب نظرا لظروف الكنيسة في صراعها مع الدولة. الإسلام يطبق المثال في الواقع، وملكوت السموات الذي عرفته المسيحية في ملكوت الأرض الذي عرفته اليهودية. يحول النظر إلى عمل، والفكر إلى ممارسة. هدفه تحقيق التقدم والتغير الاجتماعي من خلال التواصل وليس من خلال الانقطاع حتى لا يحدث رد فعل إلى القديم من جديد كما حدث في الغرب. الإسلام هو اللحظة الثالثة في تطور العلاقة بين الدين والسياسة بعد اللحظة الأولى تغليب السياسة على الدين في اليهودية، واللحظة الثانية، الفصل بين الدين والسياسة في المسيحية. اليسار الإسلامي تيار معارض. ينقد النظم السياسية القائمة على التبعية للخارج، والقهر والفساد في الداخل. وينقد المؤسسة الدينية التابعة للدولة والمبررة لقراراتها في الحرب والسلم، في الاشتراكية والرأسمالية بنفس الرجال ونفس الفتاوى. الإسلام دين ليس به رجال دين أو كنيسة أو سلطة دينية إلا سلطة العلم. يفك الحصار عن المعارضة العلمانية بأنها ضد الدين. ويخفف من عداء الحركات المحافظة للأيديولوجيات العلمانية، ليبرالية وقومية واشتراكية وماركسية وإسلامية مستنيرة، كما هو الحال في تركيا وماليزيا. وينقد نفاق الإعلام الرسمي واستخدام الدين لصالح الحزب الحاكم. (6) «التيار الإسلامي يرفضه الناس لأنه يمس عقائدهم الشعبية.» هو تيار نخبوي يسهل حصاره من اليمين واليسار والدولة. هو عند اليمين الديني شيوعية وإلحاد مقنعان. وعند التيار العلماني إسلامي مقنع، وفي أجهزة الدولة الأمنية اليساريون الإسلاميون «إخوانيون شيوعيون» كما اتهم الشاه من قبل فصائل الثورة الإسلامية مثل «مجاهدي خلق». هو غير مؤثر، أقلية معزولة أمام الأغلبية الطاغية للحزب الحاكم. والحقيقة أن الاتصال المباشر بين اليسار الإسلامي والجماهير يدل على قدرته على التعبير عن الأغلبية الصامتة، عن الوسط بين الجناحين السلفي والعلماني. يريد المحافظة على الشرعيتين في نفس الوقت، الإسلام والعالم، الدين والثورة. ليس حريصا على السلطة والحكم بل هو للحفاظ على وحدة الأمة في مسارها التاريخي، «إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».
الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٣٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٣٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي