تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبالرغم من هذه المداخل الواضحة لليسار الإسلامي وعرض أوجهه المختلفة إلا أن تجربة ربع قرن من محاولات تأسيسه لم تمنع من توجيه بعض الاعتراضات الرئيسية عليه. وهي شبهات تثار من الأحزاب السياسية الدينية والعلمانية، المحافظة والتقدمية، ومن الدولة ومؤسساتها الدينية، ومن الأفكار الشائعة نتيجة للإعلام المزيف وما تعود عليه الناس من تقليد لما هو سائد دون التفكير الأصيل. إذ يقال على اليسار الإسلامي: (1) «ليس في الإسلام يسار ويمين.» الإسلام دين واحد، جوهره واحد، وعقائده ثابتة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، خيره وشره. كبائره معروفة وصغائره محصاة. لا تختلف العبادات من قطر إلى قطر، ولا من قارة إلى قارة، ولا من شعب إلى شعب، ولا من ثقافة إلى ثقافة. شهادة أن لا إله إلا الله على كل لسان. ينطقها المسلم ليعلن انتماءه وانتسابه إلى الأمة. وهذا صحيح نظرا، ولكن عملا تتعدد القراءات والممارسات الإسلامية خاصة في المعاملات والعادات. يشير اليسار الإسلامي إلى إحدى القوى الاجتماعية الموجودة في المجتمع، الفقراء والمحرومين والمساكين والطبقات الدنيا في مقابل إسلام الأغنياء وشركات توظيف الأموال ورجال الأعمال وموائد الرحمن وبيوت الزي الإسلامي. ففي كل مجتمع هناك يسار ويمين، فقراء وأغنياء، طبقة دنيا وطبقة عليا. اليسار الإسلامي سياق اجتماعي سياسي تاريخي للإسلام في مرحلة تاريخية معينة وفي عصر معين ولدى شعب معين، في مرحلة تفاوت الدخول في عصر النفط. وكما أن هناك تمايزا بين المذاهب الفقهية الأربعة والاتجاهات الفلسفية والفرق الكلامية والطرق الصوفية هناك تمايز أيضا في تفسير الإسلام طبقا لحاجات الناس وطبقاتهم الاجتماعية التي تتغير بتغير الزمان والمكان، وكما فعل الشافعي بين العراق ومصر. (2) «اليسار الإسلامي نزعة توفيقية وأحيانا تلفيقية بين نزعات عدة تجمع بين عدة متناقضات.» هو مشروع مستحيل مثل «الثلج المقلي»، يرفضه اليسار واليمين، فاليسار علماني لا ديني، واليمين ديني لا علماني. والحقيقة أن هذه الشبهة إنما تنتج من عقلية الاستقطاب بين مطلبين كلاهما صحيح، القديم والجديد، الماضي والحاضر، التراث والمعاصرة، الأصل والفرع، الآخرة والدنيا. وكل سمات اليسار الإسلامي مطالب فعلية للعصر. فهو إسلام مستنير لحاجة العصر إلى العقلانية والاستنارة كما عبر عن ذلك بعض المفكرين العرب المعاصرين مثل محمد عبده ومصطفى عبد الرازق وطه حسين، وهو إسلام ليبرالي لحاجة العصر إلى الحرية كما عبر عن ذلك الطهطاوي والعقاد والشرقاوي، وهو إسلام اشتراكي جماعي لحاجة العصر للعدالة الاجتماعية والمساواة كما عبر عن ذلك مصطفى السباعي في سوريا وسيد قطب في مصر، وهو إسلامي قومي كما هو الحال عند منير شفيق وخلف الله ومحمد عمارة نظرا لمخاطر التجزئة والتفتيت للأقطار بعد أن قضي على الخلافة لصالح القومية العربية في 1923م ثم قضي على القومية لصالح القطرية بعد حربي الخليج الأولى والثانية، ثم قضي على القطرية لصالح الطائفية والمذهبية والعرقية والعشائرية والقبلية بعد العدوان الأمريكي على العراق في 2003م، والحرب الأهلية في لبنان وإبراز قضية السودان شمالا وجنوبا في الجنوب، وشرقا في دارفور. وهو إسلام إنساني كما عبر عن ذلك العقاد وغيره نظرا لخرق حقوق الإنسان في عصرنا وتعذيب المعتقلين السياسيين بالآلاف، وهو إسلام تقدمي كما هو الحال في تونس نظرا لتصنيف الشعوب العربية والإسلامية ضمن الدول المتخلفة أو النامية، وهو إسلام طبيعي يبدأ من العالم والناس نظرا لغلبة العقائدية القطعية والنصية الحرفية مثل أحمد كمال أبو المجد وسليم العوا، وهو إسلام وطني مثل طارق البشري نظرا للهويات الطائفية السائدة الآن وتواري الأوطان، وهو إسلام أممي مثل عادل حسين نظرا لما فعلته الحدود الوطنية من تجزئة وتقسيم ومعارك حدودية ونزاعات بين القبائل على طرفي الحدود على الثروات الطبيعية، وهو إسلام علماني مثل أحزاب الوسط نظرا لسيادة النزعات الدينية المعادية لقيم العقل والحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وهي قيم إسلامية أصيلة تجلت في التراث الإسلامي، وهو إسلام عملي حركي مثل بعض الأجنحة المستنيرة في الحركة الإسلامية نظرا لسيادة الخطاب الديني النظري الوعظي الذي يدخل في أذن ويخرج من الأذن الأخرى. (3) «اليسار الإسلامي نزعة مادية وتيار ماركسي شيوعي إلحادي.» لا يهتم بالغيب ولا بالحياة بعد الموت إلى آخر ما هو معروف من أمور المعاد. والحقيقة أن هذه هي صورة نمطية للإسلام منذ العصر العثماني، تغليب الآخرة على الدنيا، والنفس على البدن، والله على العالم، وهو ما قاومته حركات الإصلاح الديني الحديثة. فالتراث الإسلامي قام على أساس الاهتمام بالعالم. يبدأ علم الكلام وهو علم العقائد بالعالم أولا للاستدلال به على وجود الله. ويتحدث الفلاسفة عن الطبيعيات كمقدمة للإلهيات. ويدافع بعض الصوفية عن وحدة الوجود، الجمع بين الحق والخلق. ويقوم علم أصول الفقه على تعليل الأحكام الشرعية بالعلل المادية ليقيس عليها أحكام الوقائع الجديدة. (4)

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٣٢