وهي ظروف مختلفة عن ظروف العالم الإسلامي. فالإسلام ليس به سلطة دينية إلهية مثل الكنيسة أو البابا. وليس به سلطة سياسية تقوم على الاختيار الإلهي «الثيوقراطية» أو على الوراثة كما هو الحال في النظام الملكي. السلطة في الإسلام للعلم والعلماء وعلوم الدنيا. والعلماء هم أهل الاختصاص، علماء الاقتصاد والسياسة والاجتماع والعلاقات الدولية، «أنتم أعلم بشئون دنياكم». التمييز إذن بين رجال الدين ورجال السياسية تمييز في ظروف نشأة العلمانية الغربية وليس في ظروف نشأة الإسلام. بل إن الإسلام مثل البروتستانتية فيما بعد بدأ ضد رجال الدين من اليهود والنصارى، الأحبار والرهبان، الذين استغلوا الدين للمصالح الشخصية ولتبرير السلطة السياسية للملوك والأباطرة. الإسلام دين إصلاحي. تعلم من التجارب السابقة، من تجربة موسى وداود وسليمان في اليهودية، ومن الصراع بين النصرانية والإمبراطورية الرومانية في المسيحية.
الإسلام دين يقوم على العقل والواقع ومصالح الناس والقاسم المشترك للبشر جميعا. مثل التنوير التي يعتز بها، العقل والعلم والطبيعة والإنسان والحرية والإخاء والمساواة والعدالة الاجتماعية والتقدم جزء منه، وأسس يقوم عليها كما قررت الحركات الإصلاحية المعاصرة.
التوحيد ليس عقيدة تتجاوز العقل مثل التثليث، بل هو توحيد الذات الإنسانية وطاقاتها الداخلية والخارجية ضد مظاهر الازدواجية مثل النفاق والرياء وانفصام القول عن العمل، وتوحيد المجتمع ضد التفاوت الطبقي بين الأغنياء والفقراء، وتوحيد البشرية ضد مظاهر العنصرية والتمييز بين الأقوياء والضعفاء وسياسة الأقطاب، والتفرقة بين المراكز والمحيط. والشريعة لها مقاصد خمسة، ضروريات للحياة الإنسانية: الحياة والعقل والقيمة (الدين)، والكرامة (العرض)، والثروة (المال). وهي أسس «علمانية خالصة. والشريعة الإسلامية وضعية تقوم على أسس في العالم، ومكونات السلوك البشري. والأحكام الشرعية لها أسباب وعلل وشروط. والاجتهاد مصدر رئيسي للتشريع بعد الإجماع لتجديد فهمها طبقا لظروف كل عصر، «إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». والمصلحة أساس التشريع، «ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن».
النظام الإسلامي نظام مدني خالص. والدولة الإسلامية دولة علمانية بهذا المعنى الإسلامي. نظامها السياسي يقوم على البيعة العامة، اختيار الناس للرئيس «الإمامة عقد وبيعة واختيار». والرئيس ليس نائبا عن الله أو ابنا لملك بل هو نائب عن الشعب. ونظامها الاقتصادي يقوم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج الزراعي والصناعي وليس الخدمات، «الناس شركاء في ثلاث، الماء والكلأ والنار». ونظامها الاجتماعي يقوم على تذويب الفوارق بين الطبقات وعلى إقامة مجتمع العدل والمساواة «ليس منا من بات شبعان وجاره طاو». ونظامها الإعلامي يقوم على حرية الرأي وضرورة الرقابة على جهاز الدولة. فالحسبة هي الوظيفة الرئيسية للحكومة. الدين النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل عالم قادر.
فأين الخلاف بين الإسلام والعلمانية؟ إنه مجرد صراع على السلطة بين تيارين رئيسيين وقوتين سياسيتين وجناحين متصارعين في الدولة ، أيهما يخلف النظام القائم، نظام التبعية للخارج، والفساد والقهر في الداخل، والدولة سعيدة بها وتؤججه، تضرب هذا الفريق بالفريق الآخر مرة ثم تضرب هذا الفريق الآخر بالفريق مرة أخرى حتى يضعف الجناحان، ويبقى القلب، وتفتت المعارضة، ويقوى الحزب الحاكم لغياب البديل.
اليسار الإسلامي يسار علماني. ويعلن ذلك على الملأ نظرا وعملا ضد الكهنوت الديني والتسلط السياسي، وهو ليس مثالا بعيد المنال أو رؤية طوباوية أو هدفا صعب التحقيق. فالتجربة التركية والتجربة الماليزية ماثلتان للأذهان. اليسار الإسلامي هو الطريق الثالث بين السلفيين والعلمانيين، بين المحافظين والمجددين، بين القدماء والمحدثين. ولقد اقتربت بعض التيارات الإسلامية من ذلك بالبرامج السياسية الجديدة التي قدمها الإخوان في مصر والأردن وسوريا ولبنان واليمن. فالإسلام دولة مدنية تقوم على التعددية السياسية. فهل يستطيع العلمانيون تغيير أنفسهم وتخفيف عدائهم لبعض الأجنحة الليبرالية في التيار الإسلامي لإنقاذ أنفسهم من تلميع نظم الحكم والتعاون معها على مواجهة الإسلاميين كهدف مشترك بدلا من التعاون والحوار معهم في جبهة وطنية واحدة ضد نظم الفساد والتبعية والطغيان؟ (15) اليسار الإسلامي، اعتراضات وردود