تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك الإسلام الأوروبي الذي تغلب عليه أيضا الشعائرية للتأكيد على الهوية الجديدة للمسلم الأوروبي، الذقن والجلباب، وغطاء الرأس، ورفض العادات الغربية في العري والحرية الجنسية. كما يرفض القيم الأوروبية مثل المادية والإلحاد ومظاهر الحياة الآلية في الصناعة والاستهلاكية في الاقتصاد. يغلب عليه التصوف والروحانية الزائدة كرد فعل على ما يسود الغرب من علم وحداثة.

وهناك الإسلام العربي، سماحته وبساطته وواقعتيه وأخلاقه العملية وعقلانيته وإصلاحيته وإنسانيته. وما عرض له في المدة الأخيرة من صورية وشعائرية إنما هو وارد من شبه الجزيرة العربية من العمالة المهاجرة اليدوية والذهنية. والعنف الملتصق بالحركات الإسلامية إنما هو عنف سياسي لجماعات سياسية ضد نظم الحكم القائمة على القهر في الداخل والتبعية في الخارج.

الإسلام الأممي لا يمنع التعددية في الفكر والممارسة، فالإسلام قادر على التأقلم مع ثقافات الشعوب وعاداتها مع إكمالها وتطويرها للإثراء المتبادل والتعلم المشترك. يقوم على الوحدة والتنوع، وحدة العقيدة وتنوع مظاهر تعبيرها. لذلك لا يقتتل المسلمان. القاتل والمقتول مدانان. القاتل لأنه قتل بالفعل، والمقتول لأنه كان حريصا على قتل صاحبه. فدم المسلم وماله وعرضه حرام لا يجوز انتهاكه. والصلح بين المتخاصمين خير حتى يفيء الجميع إلى الحق والعدل دون العدل والظلم. والتاريخ شاهد على ذلك من الأندلس حتى الصين بالرغم من الاستثناءات هناك وهناك. (14) الإسلام العلماني

العلمانية لها معنى سيئ في ثقافتنا المعاصرة. فهي ضد الدين، وقرينة الإلحاد والمادية والإباحية، وربما الكفر والفسوق والعصيان. وتعني عند الحركة الإسلامية فصل الدين عن الدولة وهو ضد

ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، ومرة أخرى

الفاسقون ، ومرة ثالثة

الظالمون . كما تعني فصل الدين عن مظاهر الحياة الأخلاقية والقانونية والسياسية، والوقوع في الأخلاق النسبية المتغيرة والشريعة الوضعية التي أحيانا تحلل الحرام كالخمر والشذوذ الجنسي، والسياسة البشرية التي تقوم على المصالح وصراع القوى. الدين علاقة خاصة بين الإنسان والله «علاقة رأسية» في حين أن القانون علاقة عامة «علاقة أفقية» بين المواطن والمواطن. لذلك رفعت العلمانية شعار «الدين لله والوطن للجميع». ومن ثم أصبح من الصعب من الناحية التداولية استعمال لفظ «علماني».

ومع ذلك الإسلام دين «علماني» في جوهره. إنما جاء الخلط بين العلمانية «الغربية» والعلمانية «الإسلامية» وإسقاط ظروف الأولى على الثانية. فقد نشأت العلمانية الغربية بمعنى الفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، أي بين الكنيسة والدولة نظرا لنشأة المآسي والمذابح من الجمع بينهما في شخص البابا رئيس الكنيسة والدولة أو في شخص الإمبراطور رئيس الدولة والكنيسة. وكان صراعا على المصالح والأرض في عصر الإقطاع. وكان الحل الوحيد الباقي هو الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية وإن تعايشا معا كما هو الحال في دولة الفاتيكان في روما عاصمة الجمهورية الإيطالية. وانتقل كلاهما إلى العمل في الخارج وليس في الداخل، في التبشير والاستعمار خارج أوروبا وليس في الصراع على السلطة والحدود داخلها.

وبدأت العلمانية الغربية بوضع أسس معرفية جديدة، البداية بالعالم وليس بالنص، والاعتماد على العقل وليس الإيمان، والاتجاه نحو الطبيعة بعيدا عن ما بعد الطبيعة، والتحول من التمركز نحو الله إلى التمركز نحو الإنسان، والتفكير في البدن وليس في النفس، والاتجاه نحو الجديد وليس القديم، والاستعداد للمستقبل على هذه الأرض وليس نكوصا نحو الماضي خارجها. العقل تجاه الطبيعة ينتج العلوم الطبيعية، ومع المجتمع ينتج العلوم الإنسانية. وانتهت سلطة القدماء، أرسطو وبطليموس والكنيسة إلى سلطة المحدثين، جاليليو وكبلر ونيوتن في العلم، وبيكون وديكارت في الفلسفة، ولوثر وكالفن في الدين. وخرجت الثقافة الغربية خارج حدودها بعد سقوط غرناطة في 1492م، وتصدر أوروبا مركز العالم بدلا من العالم الإسلامي. انتهى العصر الوسيط كما انتهى العصر القديم اليوناني الروماني من قبل، والعصر الإسلامي من بعد. وبدأ العصر الحديث وشعار الحداثة التي تدمر الآن فيما بعد الحداثة.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٣٠