ما أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانيه . أي سلطة الاقتصاد والسياسة.
وكثرت أحاديث الاشتراك في الأموال والثروات في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وفي الممارسات الاجتماعية. فالقرآن يدين من له تسع وتسعون نعجة ويريد أن يأخذ نعجة أخيه لتتراكم ثروته وإعدام ثروة الآخرين. ويصور القرآن سبب انهيار المجتمعات
وبئر معطلة وقصر مشيد
أي تعطيل مصالح الناس الحيوية مثل الماء والآبار وتشييد قصر لإقطاعي على حافته. ويصف «رب البيت» بأنه هو الذي يطعم عن جوع ويؤمن من خوف
فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف . فالله على علاقة بالخبز والحرية، ولا يسمح الإسلام بوجود فوارق اجتماعية شديدة بين من يملكون ومن لا يملكون. «ليس منا من بات شبعان وجاره طاو». وما زاد عن حاجة الإنسان وقوت يومه فهو حق للآخرين. وفي الأثر: «عجبت لرجل لا يجد قوت يومه ولا يخرج للناس شاهرا سيفه». وقد نقل عن عمر: «لو كان الفقر رجلا لقتلته». ونفى عثمان أبا ذر الغفاري إلى ربضة الشام عندما رأى التفاوت الشديد بين الفقراء والأغنياء، وبناء القصور، وتراكم رأس المال بأيدي قلة، وظهور الطبقات الاجتماعية. وقد جعله بعض المفكرين المعاصرين مثل علي شريعتي أول اشتراكي في الإسلام. وفي الإسلام نقد شديد للإسراف والمسرفين والتبذير والمبذرين وكل مظاهر الاستهلاك الحديثة داعيا إلى التقشف وعدم ملء البطون «حسب المرء لقيمات يقمن صلبه.» ثلث المعدة للطعام والثلث للماء والثلث للنفس. إن أي سياسة للتنمية تتضمن الحد من الاستهلاك وشد الحزام على البطون والادخار الوطني من أجل الاستثمار.
إن أوضاع المسلمين اليوم تحتم هذا الخيار الاشتراكي للإسلام نظرا للتفاوت الشديد في الدخول بين الأغنياء والفقراء. فأغنى الأغنياء منا، أحد السلاطين. وأفقر فقراء العالم منا، الآلاف الذين يموتون بطنة وإشباعا والملايين الذين يموتون قحطا وجوعا وعريا وهلاكا في مالي وتشاد والصومال وإريتريا والسودان وبنجلاديش والهند. والإسلام قادر على تلبية حاجات المسلمين في كل عصر. ما ينقصه هو اجتهاد العلماء. واليسار الإسلامي أحد الاجتهادات لحل القضية الاجتماعية من أجل إعادة توزيع الدخول بين المسلمين دون تركيز الثروة في منطقة، والفقر في منطقة أخرى، والجفاف في منطقة، والمياه في منطقة أخرى، والثروات الطبيعية في منطقة والعمال في منطقة أخرى. وقد استطاعت بلدان إسلامية مثل ماليزيا وتركيا واليمن وإيران والهند الوعي بذلك. والعقل والخبرة والعلم متوفرة في الوطن العربي والعالم الإسلامي. تساهم في بناء الغرب، وتشارك في تحقيق مشاريعه التنموية. وأهل مكة أدرى بشعابها دونما حاجة إلى عقل إسرائيل.
ما ينقص هو الإرادة السياسية الواحدة، والعمل على الأمد الطويل وليس على الأمد القصير، والتخطيط لمشاريع تنمية مشتركة تواجه قضية الفقر والبطالة والإسكان والتعليم والصحة. واليسار الإسلامي محاولة لتوعية الأمة، العامة والخاصة، الشعب والقادة، الجماهير والنخبة، على أن «الإسلام هو الحل» ليس كشعار فارغ من أي مضمون بل كبناء سياسي اجتماعي وتغيير للوضع القائم وإصلاح لأحوال الأمة وتحقيق لأمانيها في المساواة والعدالة الاجتماعية. (11) الإسلام الوطني «الإسلام الوطني» هو إحدى صياغات «اليسار الإسلامي». يعطي الأولوية للوطن على القبيلة والقوم والعشيرة والعرق والمذهب والطائفة. فالوطن هو الذي يجمع بين الناس وليس العصبية كما كان الحال في العهد القبلي وكما وصف ابن خلدون. والوطن إحساس بديهي بالمكان، وذكريات الطفولة، وصداقات الصبا. والوعي الأولي بالعالم. هو اجتماع المكان، مكان الولادة، بالزمان، بالعصر والتاريخ. الوطن هو الواقع الذي يعيش الإنسان فيه، يخلق فيه الوعي، ويسعى فيه الجسد. اشتق منه لفظ «مواطن» أي من ينتسب إلى وطن؛ لذلك كان ضمن العقوبات الشرعية «التغريب» أي الإبعاد عن الوطن. ومهما عاش المغترب حاليا خارج وطنه فإنه يحن إليه، يحلم به، ويسامحه مهما أساء إليه بدفعه إلى الهجرة بعيدا عنه. أول ما يسمع من الأخبار عنه، يأكل طعامه ويشرب شرابه ويلبس لباسه ويسكن مسكنه وهو في الغربة حتى يعيش في وطن بديل، يحمله بين جنبيه في الهجرة والعودة. يسمع أدب المهجر، والحنين إلى الأوطان. ويشاهد «الجزيرة» و«عربية» والفضائيات العربية. ويشارك بأقصى جهد في المهرجانات الوطنية. ويسير في المظاهرات في الشوارع ويشارك في الملتقيات الشعبية في الميادين والحدائق دفاعا عن الوطن إذا ما أصابه سوء، احتلال وغزو من الخارج أو قهر وتسلط من الداخل.