تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من أسماء «اليسار الإسلامي» «الإسلام الاشتراكي». وربما هو أول اسم يتبادر إلى الأذهان نظرا للتوحيد التاريخي بين اليسار والاشتراكية. وقد ازدهرت أدبيات «الإسلام والاشتراكية» في الستينيات حتى اعتقد الناس تحت تأثير الإعلام والدولة الاشتراكية أن الإسلام هو الاشتراكية وأن الاشتراكية هي الإسلام. فمنذ الأربعينيات كتب مصطفى السباعي «الاشتراكية في الإسلام». واستأنف ذلك سيد قطب في «العدالة الاجتماعية في الإسلام» عام 1950م. ثم ازدهرت هذه الكتابات بعد الثورة المصرية منذ صياغة الاشتراكية التعاونية في 1955م ثم الاشتراكية العربية في الميثاق عام 1963م ثم التطبيق العربي للاشتراكية بعد هزيمة يونيو 1967م في ورقة 30 مارس عام 1968م أسوة بالاشتراكية الأفريقية، واشتراكيات العالم الثالث، وضد اتهام الثورات العربية في منتصف القرن الماضي بأنها مادية ملحدة، شيوعية دموية من النظم الملكية والإقطاعية الرأسمالية. فالاختيار السياسي، اشتراكي أو رأسمالي هو الذي يحدد القراءة والانتقاء من النص ما يدعمها. والنص قابل للانتقاء الجزئي والتأويل طبقا للاختيار السياسي.

ودون أي قراءة اشتراكية معاصرة للإسلام في مواجهة الموجة الحالية منذ ثلاثة عقود من الزمان أو يزيد للخصخصة وبيع القطاع العام والبنوك والشركات الوطنية والدخول في النظام الرأسمالي العالمي دون قيم ليبرالية، يمكن القول بلا أدنى تردد إن الإسلام اختيار اشتراكي في مبادئه الاقتصادية العامة. الإسلام رؤية جماعية تقدم الجماعة على الفرد، والأمة على المواطن. ويتضح ذلك في الملكية العامة لوسائل الإنتاج ملكية جماعية أو ملكية دولة لكل ما تعم به البلوى، الماء والطاقة والمواصلات والمعادن، ولكل ما هو ثابت غير منقول. وبتعبير القدماء هو «الركاز» أي كل ما في باطن الأرض. عرف القدماء الذهب والحديد والنحاس والفضة والمنجنيز والفوسفات وعرفنا نحن النفط. وقد عرفت الملكية العامة بلفظ «الاستخلاف»

وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه . للإنسان حق الاستثمار والانتفاع والصرف فيما لديه وليس له حق الاحتكار والاستغلال والاكتناز. فالمحتكر ملعون. ولفظ المال في القرآن لا يشير إلى شيء أي إلى كنز وثروة بل هو لفظ مركب من اسم الصلة «ما» وحرف الجر «ل» أي إنه إضافة. فالملكية وظيفة اجتماعية واقتصادية وليست استحواذا على شيء، من فعل الذات وليست من فعل الموضوع.

وقد انتشرت أحاديث كثيرة تشرع للقطاع العام مثل «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار». الماء والكلأ رمز للزراعة والنار رمز للصناعة. و«الإقطاع» في النظم الاقتصادية القديمة مزارع للدولة يرعى فيها الجميع. كما وضع ابن حزم مبدأ «الأرض لمن يفلحها» أي عدم جواز الملاك الغائبين وامتلاك الأرض لغير الفلاحين. كما وضع القدماء مبدأ «من استصلح أرضا فهي له». ووضع الفقه القديم نظم المؤاجرة والمزارعة، واحد بأرض والثاني بعمله مناصفة ومشاركة في الانتفاع. وحرم القرآن الربا واستغلال حاجات الفقراء من الأغنياء. وجعل العمل وحده مصدر القيمة، وليس الإرث أو النسب. وحدد الأسعار، ووضع هامشا معينا للربح. ومنع الغش وبيع ما في الغيب مثل التمر على النخل قبل أن يطرح، والوليد في بطن الحيوان قبل أن يولد، والزرع في الأرض قبل حصاده. ووظيفة المحتسب الرقابة على الأسواق والموازين ومنع الغش في البضائع.

ليست الزكاة وحدها هي حق الفقراء في أموال الأغنياء بل في مال الأغنياء حق للفقراء غير الزكاة

والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم . ولا يجوز ترك المال العام في أيدى قلة أو طبقة لمنع الاستغلال

كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم . واستعمالات لفظ «المال» في القرآن تشير إلى أنه أموال الغائبين «أموالهم» وليس أموال الحاضرين ولا يوجد لفظ «أموالي» بل لفظ «مالي» وبمعنى سلبي

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٢٤