تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس الوطن ضد الدين بدعوى أن الوطن قيمة علمانية وأن الدين عابر للأوطان، لا يفرق بين وطن ووطن أو قوم وقوم أو شعب وشعب. كل من قال «لا إله إلا الله» فهو مواطن سواء انتسب إلى هذه القومية أو تلك. الوطن واحد. والقوميات والعرقيات والطوائف والمذاهب متعددة.

وحب الأوطان ليس غريبا على التراث الإسلامي. فقد روي عن الرسول ما تعلمناه في المدارس الوطنية ومكتوب على ظهر الصفحة الأخيرة من نصائح «حب الوطن من الإيمان». صحيح لفظ الوطن غير مذكور في القرآن إلا بمعنى الموطن أي المكان

لقد نصركم الله في مواطن كثيرة

ويعني موقع النصر وليس الهزيمة أو الهجرة. وألقى الرسول خطابا ليلة الهجرة وهو يودعها في نظرة أخيرة معلنا أنها أحب البلدان إلى قلبه لولا ظلم أهلها. وكان لدى عمر بن الخطاب إحساس بأن العرب ينتمون إلى بلاد العرب ذات الدين الواحد «والله لن أجعل في بلاد العرب دينين». وكتب التوحيدي رسالة «في الحنين إلى الأوطان». وقد صدر الطهطاوي كتابه «مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية» بأنشودة في حب الوطن وفي كل التراث الإسلامي في حب الأوطان.

وطالما قامت حركات التحرر الوطني على أولوية الوطن على الأيديولوجيات السياسية. قامت بفضل «الجبهة الوطنية» أو «الائتلاف الوطني» أو «البرنامج الوطني» أو «الخلاص الوطني». فالوطن بوتقة تنصهر فيه كل الاختلافات الأيديولوجية والمذهبية. فاللبناني لبناني أولا قبل أن يكون مسلما أو مسيحيا، شيعيا أو سنيا، مارونيا أو كاثوليكيا أو أرثوذكسيا، درزيا أو عربيا أو كرديا.

وفي نظرية الدوائر الثلاث التي حكمت جيلا بأكمله كان الوطن هو البؤرة، الدائرة الأولى، ثم القومية الدائرة الثانية، ثم الإسلام الدائرة الثالثة، مصر والعروبة والإسلام. وليس صحيحا أن الوطن مفهوم استعماري. فقد قسم الاستعمار الأمة إلى أوطان، والخلافة إلى أمصار لأن الوطن في وجوده سابق على الأمة كوحدة قلبية وعلى الخلافة كوحدة سياسية. وكان عيب «الجمهورية العربية المتحدة» في 1958-1961م أنها أسقطت أسماء الأوطان مصر وسوريا. أما اسم «جمهورية مصر العربية» فإنه يعطي الأولوية للوطن على القومية في حين أن «الجمهورية العربية السورية» و«الجمهورية العربية اليمنية» تعطي الأولوية للقومية على الوطنية. أما «الجمهورية التونسية» أو «الجمهورية الجزائرية» فإنها تقتصر على الوطن دون العروبة. والاختلاف شديد بينها في النظم السياسية بين الجمهورية والملكية والدولة والسلطنة. فالولاء الوطني ليس خيانة للولاء القطري أو الأممي. فالوطن ليس هو القطر. الوطن كيان أولي في حين أن القطر جزء مصطنع من كيان سياسي أشمل. ومن ثم لا مكان لتكفير الإسلامي للوطني والقومي أو تخوين الإسلامي والقومي للوطني. فلا خصومة ولا فرقة في الوطن بل الحوار الوطني بين كافة الاتجاهات الفكرية والتيارات السياسية. الوطن هو الانتماء الأول والولاء الأول الذي منه تتشعب الاختيارات السياسية.

ليس الوطن قيمة غربية من منظومة القيم العلمانية مثل العقل والحرية والإنسان والتقدم والمساواة والطبيعة بل هو عاطفة أولية تقوم على تفاعل الزمان والمكان في وعي الإنسان بالعالم منذ الصغر. ومن ثم الوطن هو الرابطة الجامعة لكل المواطنين. والأغرب هو عزل المواطنين المصريين في درس التربية الدينية بين المسلمين لدراسة الدين الإسلامي والأقباط لدراسة الدين المسيحي وفك رابطة الوطن لصالح رابطة الدين مع أن التربية الوطنية جامع للفريقين، والقيم الأخلاقية هي الجامع للدينين. الوطن هو الجيرة والقرابة، والأقربون أولى بالشفعة. والجار أولى من البعيد «ما زال جبريل يوصني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».

الخطورة الآن في تفتيت الأوطان إلى كيانات عرقية وطائفية والقضاء على الولاء الوطني لولاءات بديلة حتى تبتلع العولمة الشاملة هذا الفسيفساء العرقي الطائفي. فالوطن مهدد من أسفل بالطائفية والعرقية ومن أعلى بالعولمة والشركات المتعددة الجنسيات والمنظمات الدولية.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ٢٦