ليس الإسلام دينا نظريا يضع قواعد العقائد. فالمسيحية تفعل ذلك. وتجعل همها في معرفة السر. لذلك ازدهر اللاهوت العقائدي في المسيحية. الإسلام دعوة إلى العمل أو بتعبير الأصوليين اقتضاء فعل. والقرآن مليء بآيات الدعوة إلى العمل
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ،
يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل . ويربط القرآن بين الإيمان والعمل في مئات الآيات التي تبدأ بنداء (يا أيها الذين آمنوا وعملوا الصالحات). ويستنكر انفصال القول عن العمل
يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون . وقد ظهر ذلك في الحديث أيضا «الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل».
والدعوة للعمل من أجل تحقيق المنفعة العامة. لذلك تسمى البرجماتية أيضا مذهب المنفعة. والقرآن مملوء بالآيات التي تحث على تحقيق المنفعة
فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض . وفي الحديث «خيركم للناس أنفعكم للناس»، «أعوذ بالله من علم لا ينفع».
وقد ظهر ذلك بوضوح في علم أصول الدين وهو علم العقائد. فالتوحيد له غرض عملي. يتجلى في وحدة الذات الإنسانية بين القول والعمل، وبين الفكر والوجدان منعا لازدواجية الخطاب وكل أشكال النفاق والرياء والمداهنة. والإيمان والعمل إحدى القضايا الرئيسية في علم الكلام. المثل الأعلى التوحيد بين القول والعمل والفكر والوجدان. والعمل هو أساس الاستحقاق، الثواب والعقاب
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره . والعمل هو الكدح
يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه . لذلك فرق الفقهاء بين التوحيد النظري والتوحيد العملي، بين التوحيد الذهني والتوحيد الإرادي. وكل الأسئلة التي سألها المسلمون النبي كانت لها إجابات عملية
يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ،
ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء . ولا يسئل عن أشياء نظرية لا ينتج عنها أثر عملي مثل
ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي . والسؤال النظري إجابته عملية كما سئل الرسول متى الساعة فقال «استعد لها».
وظهرت هذه النزعة العملية في باقي العلوم الإسلامية. ففي الفلسفة، الفلسفة قسمان: نظرية وتضم المنطق والطبيعيات والإلهيات، وعملية وتضم الأخلاق والاجتماع والاقتصاد. والنظرية مقدمة إلى العملية. وفي علم أصول الفقه الوعي التاريخي، المصادر الأربعة للشرع مقدمة للوعي النظري، تحليل الخطاب وأفعال الأمر. وكلاهما يصبان في الوعي العملي، المقاصد والأحكام. فالشريعة قصد موجه نحو الإنسان، حياته وعقله وقيمه وكرامته ومصالحه. والإنسان أيضا قصد جزئي موجه نحو الفعل بالنية. وأحكام الوضع وصف لفعل الإنسان في العالم، سببه وشرطه ومانعه وطاقته وصدقه. وأحكام التكليف وصف لفعل الإنسان الضروري، إيجابا وسلبا وهما الواجب والمحرم أو الحر، إيجابا وسلبا وهما المندوب والمكروه أو الطبيعي وهو المباح. والفقه عبادات ومعاملات. وكلاهما أفعال.
ليست البرجماتية فقط من إبداع الغرب وحده، ولا النزعة العملية الأخلاقية من صنعه. فقد تجلت في كل حضارة. سقراط والرواقيون والأبيقوريون عند اليونان، وأوغسطين في العصر المسيحي، وديكارت وكانط وبرجسون وشيلر في العصر الحديث. واشتهر بها وليم جيمس وجون ديوي في الفلسفة الأمريكية. وهي روح الكونفوشيوسية والبوذية في آسيا. وحول جوته أول آية في إنجيل يوحنا «في البدء كانت الكلمة» إلى «في البدء كان الفعل». واشتهر كارل ماركس بأنه هو الذي نقل الفلسفة الغربية من النظر إلى العمل، ومن فهم العالم إلى تغييره.
واليوم ندخل حرب العقائد. ويكفر بعضنا بعضا لقول أو مقال، والواقع لم نتغير. شغلنا أنفسنا بعذاب القبر ونعيمه، ومنكر ونكير، والجنة والنار، والصراط والميزان والحوض. وتصدر فتاوى عن إرضاع الكبار لجواز الخلوة ، وببول الرسول لجواز البركة، ولريقه للعلاج. ومن القواعد الفقهية القديمة أن كل مسألة نظرية لا ينتج عنها أثر عملي فإن وضعها في العلم عار أي لا يجوز. والكافر العادل عند الله خير من المسلم الظالم. وامتلأت خطب المساجد بما لا ينفع، والحديث عن جنس الملائكة وفلسطين تضيع، وعن جواز الجن والعراق يسيل دمه كل يوم، وعن المعجزات والكرامات ويراق دم الأفغان من القوات الأمريكية والبريطانية. وقضاء حاجات الناس أولى من الحديث الذي لا ينفع. فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. والأمور بخواتيمها وليس بمقدماتها.