وتقوم الديمقراطية على تصور فردي، صوت واحد لكل فرد بصرف النظر عن علمه أو جهله، اختصاصه أو عدم اختصاصه، وعيه أو عدم وعيه، استقلاله أو تبعيته، حضوره أم غيابه، التلاعب بصوته أو احترامه. كما أنه يخضع لقوة الإعلام والدعاية الانتخابية للمرشحين وانتماءاتهم القبلية أو الطبقية. تتحكم في الانتخابات «الأعمال القذرة». ولم تمنع الديمقراطية في النهاية من شتى أنواع الفساد والرشوة والتهرب من الضرائب.
أما «الشورى» التي يفضلها الإسلاميون فإنها تقوم أساسا على حق الاختلاف وشرعيته. فاختلاف الآراء مثل اختلاف الليل والنهار واللغات والشعوب والقبائل والعادات والتقاليد. واختلاف الأئمة رحمة بينهم. والكل راد ومردود عليه. لذلك نشأ علم الخلاف في الفقه وعلم التعارض والتراجيح في أصول الفقه. وذلك ضد الانفراد بالرأي والقرار حماية لمصالح الأمة من الانفعالات والمصالح والأهواء. الأقلية لها نفس احترام الأغلبية. ويكون الإجماع ناقصا حتى ولو عارض واحد فقط. هي ديمقراطية توافقية للوصول إلى رأي واحد عليه إجماع الأمة. تخضع لنسق من القيم. فالحق ليس مشروطا بإرادة الأغلبية. ولا الباطل مشروطا بإرادة الأقلية حتى لا يصبحا نسبيين، يتغيران بتغير أصوات الناخبين. نسق القيم مستقل عن أهواء البشر. الحق حق، والباطل باطل. والعدل عدل، والظلم ظلم، بصرف النظر عن إرادات البشر. إنما الخلاف في مدى إلزامها. البعض يجعلها ملزمة، والبعض يجعلها استشارية. فالقرار في النهاية للرئيس، وهو الإمام بتعبير القدماء، وهو مبايع من الناس وليس معينا من رئيس سابق أو من وصية أو من عهد أو من نص. وكما قال القدماء «الإمامة عقد وبيعة واختيار». والعقد شريعة المتعاقدين بين الحاكم والمحكوم. يطيع المحكوم الحاكم طالما أطاع الحاكم القانون والدستور. ويعصي المحكوم الحاكم إذا ما عصى الحاكم القانون والدستور وفسخ العقد من جانبه. ويحق للمحكوم الخروج على الحاكم بعد استيفاء وسائل النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحسبة. وهي الوظيفة الرئيسية للحكومة الإسلامية. فالحكم الإسلامي ليس ثيوقراطيا بل حكم القانون. والحاكم مبايع من الناس وممثل لهم وليس معينا لله وممثلا له. والحكم مدني وليس إلهيا، سياسي وليس دينيا، نسبي وليس مطلقا.
قد يعيب العلمانيون على الشورى أنها حكم الأقلية، وأن البيعة من أهل الحل والعقد وليس من جمهور المسلمين. هل هي بالانتخاب أم بالتعيين؟ هل هم رجال الأحزاب أم أهل الاختصاص؟ والحقيقة أن هذه كلها صياغات مختلفة متروكة لحكم البشر. فبعض النظم تفضل انتخاب الرئيس بالاقتراع العام. والبعض الآخر يفضل انتخابه من البرلمان. فالديمقراطية التمثيلية ليست غاية في ذاتها بل هي وسيلة لمنع الانفراد بالرأي والتفرد بالقرار. وكثيرا ما قامت تجارب التنمية وبناء الدول وتحقيق المشاريع القومية بالتوافق الوطني وأحيانا بسلطة الدولة كما تم في اليابان وكوريا الجنوبية ومصر في دولة محمد علي وعبد الناصر. ويمكن تحقيقها بوسائل أخرى. والأفضل بطبيعة الحال بالوسائل الديمقراطية السائدة هذه الأيام لتجميل النظام السياسي والتي ليس لها أي أثر في الحياة السياسية. وظيفتها تبرير القرارات السياسية لحكم الفرد المطلق كما تفعل المجالس النيابية.
لقد استشارت الملكة سبأ في أمر سليمان، قالت: يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون
قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون . لا فرق في ذلك بين رئاسة الرجل ورئاسة المرأة. وقد كان الرسول يستشير أصحابه «لا خاب من استشار». (8) الإسلام البرجماتي «الإسلام البرجماتي» إحدى تسميات اليسار الإسلامي. واللفظ معرب أيضا مثل الليبرالي والديمقراطي. واللفظ العربي هو الإسلام العملي.