تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الفقه يتحرر الإنسان من العبودية بالعلم؛ إذ لا يجوز استعباد العالم في حده الأدنى وهو القراءة والكتابة. ولا يجوز استعباد الأم، فالأمومة تربية الأطفال على الحرية، وفاقد الشيء لا يعطيه. ولا يجوز استعباد الشجاع المحارب الذي يدافع عن القبيلة ضد الغزو والعدوان، فالشجاعة فعل من أفعال الحرية. وإذا ارتكب الإنسان ذنبا فعليه تحرير رقبة، فالعبودية ذنب يجب التكفير عنه بالتحرير.

والشهادة نفسها فعل من أفعال الحرية، تبدأ بالشهادة أي بالرؤية والإعلان. فالمسلم هو الذي يشهد على ما يقع في عصره من أحداث وما يتحكم فيها من نظم. ليس كالحكمة الصينية القديمة «لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم» أو بالتعبير المسرحي الشعبي «شاهد ما شافش حاجة». ثم يقوم المسلم بفعلين من أفعال الشعور، فعل النفي في «لا إله» أي نفي كل آلهة العصر المزيفة، الثروة، الجاه، السلطة، الجنس، الشهرة. فإذا ما تحرر منها يقوم بفعل الإثبات «إلا الله» أي الواحد الحق الذي يتساوى أمامه الجميع. فالشهادة تعني حرية الضمير والوجدان، وهو ما يدفعه لقول الحق. فالساكت عن الحق شيطان أخرس.

وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم . والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو جهر بالحق مثل النصيحة. ووظيفة الحسبة الكشف عن الزيف في المعاملات والاحتيال في الموازين والأسعار في الأسواق. فالمسلم لا يخاف من الإعلان عن الحق لأن حرية الرأي والتعبير والتفكير من مقتضيات الإيمان

الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل .

الحرية في القول والعمل، في الفكر والاعتقاد. تمنع الإنسان من ازدواجية الشخصية والنفاق والرياء والمدح

قتل الخراصون . الحرية هي الإعلان والبيان والبلاغ

فاصدع بما تؤمر . الحر كالرسول

يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس .

يكفي اليسار الإسلامي أن يكون مدافعا عن حريات الناس ضد قهرهم والتسلط عليهم. فبدون الحرية لا تنشأ استنارة عقل، ولا توزيع ثروة، ولا إحراز تقدم، ولا تأكيد حق طبيعي، ولا وجود لإنسان. (7) الإسلام الديمقراطي «الإسلام الديمقراطي» إحدى صياغات اليسار الإسلامي وتسمياته، وهو موجود بالفعل في مصر وتونس. ويعني قبول التعددية السياسية والنظام الحزبي والاحتكام إلى صناديق الاقتراع بعيدا عن العنف واستعمال القوة للوثوب على السلطة بتنظيمات علنية أو سرية، وهي تسمية طبيعية بعد «الإسلام الليبرالي»، حرية الفرد أولا ثم ديمقراطية الحكم ثانيا.

ولفظ «الديمقراطية» أيضا لفظ معرب مثل «الليبرالية». وأصبح أيضا متداولا وشائعا. ويعني حكم الشعب على النقيض من حكم الطغاة كما حدث عند اليونان. ويفضل الإسلاميون استعمال لفظ «الشورى». وبالرغم من الخلاف في الآليات بين «الديمقراطية» و«الشورى» إلا أن الاتفاق في الروح، وهو ضد حكم الفرد وانفراده بالرأي والقرار. ويصر العلمانيون على أن الخلاف بينهما كبير. وهما أقرب إلى الاختلاف منهما إلى الاتفاق. والحقيقة أن الخلاف في استعمال اللفظ بين الإسلام الديمقراطي والعلماني الغربي إنما هو صراع على السلطة. فالإسلاميون يريدون إعادة صياغة إسلام مدني قادر على التعامل مع باقي الاتجاهات السياسية في إطار من شرعية الدولة. والعلمانيون الغربيون يريدون حصار الإسلاميين في المحافظة الدينية حتى يفسح لهم المجال وحده للعمل السياسي الشرعي خوفا من شعبية الإسلاميين وقدرتهم على حشد الجماهير.

والمعنى الشائع لا خلاف عليه. فالسلطة للشعب وليست للرئيس، واحترام سلطة الأغلبية وأولويتها على سلطة الأقلية، وحرية الصحافة وأجهزة الإعلام، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء. الديمقراطية بهذا المعنى الشائع أفضل من الأوتوقراطية، حكم الفرد المطلق وحكم الأقلية وحكم الطبقة. ومع ذلك الديمقراطية في آلياتها الغربية لها حدودها باعتراف أنصارها أنفسهم. فهي تصور كمي يقوم على قسمة الشعب إلى أغلبية وأقلية. الأغلبية في الحكم، والأقلية في المعارضة. للأغلبية الحق في إصدار القرارات في النظام السياسي، اشتراكية أو رأسمالية، وفي العلاقات الدولية، حربا أم سلما. فإذا ما أصبحت أغلبية اليوم أقلية في الغد وأصبحت أقلية اليوم أغلبية في الغد، تتغير القرارات السياسية. وما كان حقا يصبح باطلا، وما كان باطلا يصبح حقا. ولا يوجد نظام قيمي يحكم ديكتاتورية الأغلبية وتبعية الأقلية أو اتفاق الأغلبية والأقلية على القهر والغلبة كما حدث في النازية والفاشية أو على تأييد الغالب على المغلوب والقوي على الضعيف والظالم على المظلوم كما يحدث الآن في تأييد اغتصاب إسرائيل لفلسطين وطرد الشعب الفلسطيني خارج وطنه في المخيمات أو إلى بلاد المهجر. فلا فرق بين الجمهوريين والديمقراطيين في الولايات المتحدة الأمريكية أو بين العمال والمحافظين في بريطانيا في العدوان على العراق وأفغانستان وتأييد اغتصاب فلسطين. لا فرق بين أقلية وأغلبية لاجتماعهما معا على أيديولوجية الغزو العسكري للأوطان، واغتصاب حقوق الشعوب.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ١٩