تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اليسار الإسلامي إذن هو إحدى القوى التقدمية في الوطن العربي والعالم الإسلامي. يرى أن اليوم أفضل من الأمس بالرغم من بعض مظاهر الانتكاس، وأن الغد أفضل من اليوم بالرغم من حالة التشاؤم والانهيار العامة. والقرآن يحث على الأمل

يا أيها الذين آمنوا لا تقنطوا من رحمة الله ، وهو واقع مهما طال الانتظار

ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا . (6) الإسلام الليبرالي

الإسلام الليبرالي هو أحد صياغات اليسار الإسلامي، وهو موجود بالفعل تحت هذا الاسم في إندونيسيا عند أولي الأبصار تطويرا لليسار الإسلامي في القاهرة بالرغم من مغالاته في الليبرالية على مستوى الرأي العام ومدها إلى العبادات بحيث يحقق أهدافها بوسائل أخرى كما قال الفلاسفة من قبل. فالعبادات وسائل وليست غايات. الصلاة للسمو الروحي ، وأداء الأفعال في أوقاتها. والزكاة حق الفقراء في أموال الأغنياء. والصوم إحساس بجوع الفقراء. والحج تجمع سنوي للتعبير عن حال الأمة بين أعدائها وأصدقائها.

وقد أصبح اللفظ المعرب لفظا مستعملا متداولا مثل بعض الألفاظ القديمة، فلسفة وموسيقى وهندسة وبعض الألفاظ العلمية الحديثة مثل الراديو والتليفزيون والتليفون والكومبيوتر والإنترنت، ومثل بعض الألفاظ السياسية مثل الديمقراطية والبرلمان والأيديولوجيا والماركسية. فاللفظ القديم «الحرية» يقال في مقابل «العبودية» في الفقه، وقد اختفى نظام العبودية في التاريخ في القرن التاسع عشر في الحرب الأهلية الأمريكية بين الشمال والجنوب.

والرغبة في الحرية رغبة عارمة في قلوب الناس لمعاناتهم من نظم القهر، ملكية كانت أو جمهورية، مدنية أم عسكرية. تسيطر الدولة فيها على كل وسائل التعبير في أجهزة الإعلام والمؤسسات التعليمية والثقافية. وكل رأي جديد يتهم صاحبه بالردة أو الكفر أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة. وتتفق كل التيارات السياسية الرئيسية في الوطن العربي والعالم الإسلامي، الإسلامية والقومية والليبرالية والماركسية، على أن القضية الرئيسية في الحياة العامة هي قضية الحرية. يعاني أنصارها من الاضطهاد والسجن والاعتقال. وهي أجنحة المعارضة الرئيسية في البلاد. وتدل تقارير منظمات العفو الدولية على وجود حوالي عشرين ألفا من المعتقلين السياسيين في الوطن العربي وحده؛ بل تصدر إليه معتقلو جوانتنامو للتعذيب في أوطانهم وليس في الولايات المتحدة الأمريكية خشية الإعلام والقانون.

والحرية حق طبيعي للإنسان. أعلنه عمر بن الخطاب منذ أكثر من أربعة عشر قرنا «لماذا استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟» واستعاده أحمد عرابي في مواجهة الخديوي توفيق عارضا عليه مطالب الجيش والشعب «إن الله خلقنا أحرارا ولم يخلقنا عقارا. والله لا نستعبد بعد اليوم.» من تعاليم الأفغاني. وكتب الكواكبي «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» دفاعا عن الحرية. ودافع عنها خالد محمد خالد في «الله والحرية». وساهم في ذلك المفكرون العرب مثل محمد عزيز لحبابي في المغرب في «حرية أم تحرر؟»

ولم تغب الحرية عن تراثنا القديم وإن ظهر معناها بألفاظ أخرى مثل «خلق الأفعال» في علم الكلام خاصة عن المعتزلة. فالإنسان خالق أفعاله أي صاحبها وإلا انتفت المسئولية عنها في الدنيا والآخرة، وضاع قانون الاستحقاق، الثواب أو العقاب على الأفعال. وفي الفلسفة الخلقية عند الفارابي ومسكويه الحرية شرط الفعل الخلقي الإرادي. والإنسان يختار بين حياة الفضيلة وحياة الرذيلة، بين تنمية قواه الشهوية أو الغضبية أو العاقلة. وعند الصوفية، الحرية داخلية، حرية الضمير والتغلب على شهوات الدنيا والتحرر منها. وفي أصول الفقه حرية الأفعال في المندوب والمكروه، المندوب هو حرية الاختيار بين الفعل وعدم الفعل والأفضل الفعل. والمكروه حرية الاختيار بين الفعل وعدم الفعل والأفضل عدم الفعل. والمباح حرية الفعل أو عدم الفعل فالإنسان حر طليق في أفعاله الطبيعية. شرعيتها في وجودها.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ١٨