ليس إذن التقدم غريبا على الحضارة والشعوب العربية والإسلامية. ظهر المفهوم في العلوم الإسلامية النقلية العقلية القديمة، أصول الدين وأصول الفقه وعلوم الحكمة والتصوف.
ففي علم أصول الدين تساءل العلماء عن مستويات التقدم ورتبه هل هو بالزمان، تقدم الأب على الابن، أو بالمكان، تقدم القائد الصفوف، أم بالشرف، تقدم الأنبياء على سائر البشر؟ كما ظهر التقدم في الماضي في النبوة وتوالي الأنبياء من آدم حتى محمد. ويستمر التقدم في المعاد في استمرار الحياة بعد الموت. ثم ينهار التقدم في إمامة المفضول بالرغم من وجود الأفضل، وتوالي الانهيار في الأجيال جيلا وراء جيل «خير القرون قرني ثم الذي يلونه»، «الخلافة من بعدي ثلاثون سنة تتحول بعدها إلى ملك عضوض». ثم يأتي المهدي ليرفع الأمة من هذا الانهيار ويخلصها من طول قهر وظلم، ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا.
وفي علم أصول الفقه ظهر التقدم في العلاقة بين المصادر الشرعية الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، من نص الوحي الأول إلى نص الرسول إلى قرار الإجماع إلى فتوى القياس. بل إن التقدم داخل في كل أصل. في القرآن في الناسخ والمنسوخ، وتغير الحكم الشرعي بتغير الزمان، وقياسه على مقدار القدرة والأهلية والطاقة. والتقدم في السنة من المرحلة المكية إلى المرحلة المدنية. والتقدم في الإجماع. كل إجماع ملزم لعصره. وإجماع العصر السابق ليس ملزما لهذا العصر. وإجماع هذا العصر ليس ملزما للعصر القادم نظرا لتغير الظروف.
وفي علوم الحكمة وفي علوم التصوف ظهر التقدم على مستوى رأسي وليس أفقيا، التقدم الروحي، والصعود إلى الحق إشراقا أو النزول منه فيضا. فالتقدم في الحكمة رقي في الدرجة من أسفل إلى أعلى، من العقل الإنساني، المستفاد أو بالملكة إلى العقل الفعال أو فيضا من العقل الفعال على العقل بالقوة وهو العقل الإنساني. كما ظهر التقدم الدائري أو الحلزوني في فلسفة التاريخ عند ابن خلدون، عودا على بدء، من البداوة إلى الحضارة إلى البداوة من جديد. كما تجلى هذا التصور الحلزوني في قصص الأنبياء في القرآن. يظهر النبي ضد مثالب قومه، مثل التسلط عند آل فرعون، الشذوذ الجنسي عند قوم لوط، العصيان في بني إسرائيل، عبادة الأصنام لدى آل إبراهيم. ثم تعود المجتمعات إلى ما تعودت عليه من قبل. فيظهر نبي جديد مذكرا بالأنبياء السابقين وكما صور نجيب محفوظ في «ملحمة الحرافيش» وفي «أولاد حارتنا».
أما علوم التصوف فتصورت التقدم أيضا ارتقاء في المقامات والأحوال، من التوبة إلى الفناء، طريقا إلى الله يسلكه السالكون، ويطرقه المريدون بمساعدة مشايخ الطرق، وهو تقدمي أخلاقي روحي. ينتهي بعالم الأقطاب والأوتاد والأبدال والنقباء من صنع الخيال. يجد فيه الصوفي البديل عن عالم الظلم والقهر والاستبداد أو عالم الرياء والنفاق والمداهنة والمديح.
ثم أصبح مفهوم «التقدم» أحد هموم الفكر العربي الإسلامي الحديث والمعاصر في حركات الإصلاح بكافة أنواعها، الإصلاح الديني عند الأفغاني، الاجتهاد ضد التقليد، والعقل في مقابل النقل، وحرية الإرادة في مقابل القضاء والقدر، والديمقراطية في مواجهة التسلط والطغيان. وتساءل شكيب أرسلان: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ كما ظهر كتقدم مدني في الفكر السياسي الليبرالي عند الطهطاوي. وترجم فتحي زغلول سر تقدم الأنجلوسكسون. وأبرزه أنصار الفكر العلمي العلماني وأنصار نظرية التطور لدارون. إن التقدم والارتقاء سر الحياة الطبيعية والإنسانية. فكل شيء يتطور بما في ذلك الإنسان والحضارة.
وأنشئت عديد من الأحزاب التي وصفت نفسها بالتقدمية، الحزب الاشتراكي التقدمي، التجمع الوطني التقدمي. وأنشئت وحدة الأحزاب التقدمية. وظهرت دور نشر تحمل اسم «التقدم» كتلك التي أسسها أنصار سلامة موسى. غناه الشعراء، ودافع عنه المفكرون في مواجهة قوى المحافظة والرجعية والسلفية.