كما حضرت حقوق الإنسان بوضوح في مقاصد الشريعة في علم أصول الفقه، في الضروريات الخمس: الدفاع عن النفس أي الحياة ضد الجوع والفقر والمرض والحروب، والدفاع عن العقل ضد الجهل والغباء والسفه والخبل، فالحياة هي الحياة العاقلة، والدفاع عن الدين أي القيمة التي يشارك فيها الجميع، المعيار الخلقي الشامل ضد النسبية والمعيار المزدوج والأنانية وتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، والدفاع عن العرض أي الكرامة الفردية والجماعية ضد جميع انتهاكات حقوق الإنسان، وأخيرا الدفاع عن المال أي الثروة الوطنية ضد التبذير والسفه والاستغلال والاحتكار وسوء توزيع الثروة.
وما زال الفكر العربي الإسلامي المعاصر يصارع من أجل إبراز حقوق الإنسان، ليس فقط عن طريق القراءات الإسلامية المتعددة لمواثيق حقوق الإنسان الدولية، ولكن أيضا عن طريق تأصيل حقوق الإنسان في التراث القديم الذي ما زال يؤكد على حقوق الله وواجبات الإنسان كما هو الحال عند محمد بن عبد الوهاب في «كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد». في حين أن المعتزلة القدماء تكلموا عن الواجبات العقلية مثل الخلق والتكليف وشكر المنعم. التوازن بين الحقوق والواجبات ضروري. لا حقوق بلا واجبات، ولا واجبات بلا حقوق. في الحضارة الغربية في العلاقات الدولية حقوق بلا واجبات، وفي الحضارة الإسلامية في العلاقات السياسية واجبات دون حقوق.
الإسلام الإنساني إذن يجعل الإنسان هو الهدف الرئيسي من الرسالة، دفاعا عن حقوقه، وتأكيدا لسلطانه وحريته. بدنه جزء من الحقوق، يداه ورجلاه ورقبته وحريته في القول والتعبير جزء من الحقوق ضد حرية الرأي وتكميم الأفواه وتقييد الحركة في السجون والمعتقلات. الإسلام الإنساني ضد الإسلام السلطاني الذي يضحي بالإنسان في سبيل السلطان وضد الإسلام الردعي اعتمادا على درء الحدود بالشبهات.
حينئذ يستطيع الإسلام أن يدفع عن نفسه الشبهات ويدافع عن إنسانيته في مواجهة تحديات العصر. (5) الإسلام التقدمي
والإسلام «التقدمي» أحد أشكال اليسار الإسلامي وتعبيراته المختلفة مثل الإسلام العقلاني أو الإسلام العلمي. ويعني الإسلام الذي يساهم في صنع التقدم للشعوب، إسلامية أو غيرها. فالتقدم في حد ذاته فضيلة، وهو مذكور في القرآن لفظا
لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر . ونفس المعنى في لفظ السبق
والسابقون السابقون . وفي القرآن نقد شديد للتخلف
فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله ، وللمتخلفين من الأعراب
قل للمخلفين من الأعراب ، وللخوالف
رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ، وللقاعدين
إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين .
والغرب يزهو علينا وعلى باقي الحضارات أنه وحده حضارة التقدم، وأنه قد أغنى الحضارات البشرية بمفهومي التقدم والتاريخ والأمل في المستقبل. وصاغ لذلك «فلسفة التاريخ»، تعنى بالتقدم وباكتشاف قوانينه. فوقع في العنصرية والمركزية الأوروبية. فالتقدم يبدأ منه عند اليونان والرومان، وينتهي إليه في الغرب الحديث. في حين انشغلت الحضارات الأخرى بالخلود، بكل الزمان. وصنف غيره ضمن الشعوب «المتخلفة». تئن من ثقل الماضي دون أن تتحرر منه إلى المستقبل. ربط الإسلام بمظاهر التخلف مثل القهر والاستبداد والعنف وخرق حقوق الإنسان والمواطن والمرأة والأقليات.
ولفظ «تقدم» من فعل «قدم» يعني قديم وتقدم في آن واحد. أخذت الثقافة الموروثة أحد المعنيين وهو القديم كمعنى تداولي دون المعنى الثاني وهو التقدم فغاب المفهوم من ثقافتنا المعاصرة ومن خططنا ومن سلوكنا اليومي. هنا تأتى أهمية اليسار الإسلامي في إعادة بناء الثقافة الموروثة بعد أن أصبحت هي الرافد الرئيسي المكون للثقافة الوطنية.
ليس التقدم جوهرا ثابتا وقيمة مطلقة تخص شعبا دون شعب إلى الأبد. بل هي سمة توجد في شعب وحضارة في لحظة تاريخية معينة، كانت الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي، القرون السبعة الأولى، حضارة تقوم على العقل والعلم، وتهدف إلى التقدم وتأسيس العمران. وكانت أوروبا في العصر الوسيط المتزامن مع عصرنا الذهبي متخلفة في العلوم والآداب، ثم انقلبت الآية، فأصبحنا نحن في العصر المملوكي العثماني في القرون السبعة الأخيرة نموذجا للحضارة المتخلفة الناقلة لعلومها الماضية والمقلدة لتراثها السابق، الشارحة والملخصة له. وأصبحت أوروبا في عصورها الحديثة نموذج الحضارة المتقدمة ورائدا للحداثة والتحديث.