تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس التخلف فقط في مقابل التقدم كما هو الحال عند المعاصرين بل هو أيضا في القرآن الكريم تخلف عن الجهاد وقتال العدو وقعود عنه كما هو الحال في ترك الفلسطينيين يقاومون الاحتلال وحدهم دون مساندتهم من الإخوة في العروبة والإسلام في دول الجوار القريب أو البعيد. ليس التخلف فقط هو المعنى الاقتصادي بل أيضا المعنى السياسي. المتخلف اقتصاديا من لا يطعم نفسه ويعيش على المعونة الخارجية، والمتخلف سياسيا هو من لا يستطيع أن يقاوم ويحرر نفسه.

المتخلف عن القتال تضيق عليه الأرض بما رحبت كما حدث للثلاثة الذين تخلفوا عن القتال أيام الرسول،

وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت . يشعر بالذلة والمهانة. يسير مطأطئ الرأس، منحني الظهر، مطبق الجفنين من الإحساس بالعار والانكسار.

ولا يجوز لمن يقول إنه مسلم يتبع الرسول أن يتخلف عنه،

ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله . والعرب أهل قتال وحرب في الجاهلية من أجل العصبية والعدوان وهم كذلك في الإسلام دفاعا عن المظلوم والمستضعف. وتسمع في المساجد كل أسبوع ضرورة الاقتداء بالرسول. يفهم بعض المسلمين الأفارقة الاقتداء في تعدد الزوجات لإيجاد شرعية للعادة الأفريقية. وفي الطرق الصوفية وصل الإصرار على الاقتداء إلى حد التأليه في «الحقيقة المحمدية»، وفي الأدعية «أغثنا يا رسول الله»، «أعنا يا رسول الله». مع أن الاقتداء به لشعب محتل هو التحرر وجهاد العدو.

وكيف يفرح المتخلفون عن الرسول في الجهاد،

فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله

والاقتداء يتطلب العزة والكرامة ورفع الرأس وارتفاع القامة «مرفوع القامة أمشي»؟ إنه فرح زائف، ورضا بالحياة الدنيا. التخلف عن القتال رضا بالضيم وقبول بالمهانة، جهل وسوء فهم،

رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ، وتغييب للوعي. والأعذار كثيرة للتخلف منها الانشغال بالدنيا والحرص عليها، السلطة والثروة،

سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا ، إيثار الدنيا على الآخرة، وتفضيل المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. ومع ذلك يريد القاعدون والمخلفون أخذ نصيبهم من الغنائم وآثار النصر المادية والمعنوية دون جهاد ومقاومة،

سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم . يريدون الغنم وليس الغرم، يحرصون على العاجل دون الآجل. مع أن الجهاد مكسب مرتين: الأولى دفع العدوان، والثانية نيل أجر الشهادة.

والمتخلفون والقاعدون مضطرون إلى مواجهة العدوان،

قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد . فالجهاد مفروض على الناس لدرء العدوان،

كتب عليكم القتال وهو كره لكم . وإذا كان العدوان طبيعيا في البشر فإن الدفاع والمقاومة طبيعيان أيضا.

والقعود تخلف. والقاعدون مثل المتخلفين،

إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين . فالقعود أول مرة يؤدي إلى القعود ثاني مرة حتى يصبح القعود عادة مهما وقع على الذين تعودوا على القعود من عدوان مستمر ويومي كما يحدث في فلسطين.

القعود تكذيب للرسول، وإنكار لنبوته، وعصيان لرسالته

وقعد الذين كذبوا الله ورسوله . فالإيمان ليس نظريا بل هو إيمان عملي. ليس قولا باللسان بل عملا بالأركان ومنها الجهاد. واتباع الرسول ليس فقط في العبادات بل أيضا في المعاملات، ليس فقط في الأخلاق بل أيضا في السياسة.

القعود رفض لاتباع الرسول،

فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون

كما فعل بنو إسرائيل مع موسى. وفي قلوب المسلمين جميعا، الرسول قدوة. وفي شعار كبرى الحركات الإسلامية المعاصرة «الرسول قدوتنا». ولم يكن قاعدا عن قتال ولا متخلفا عن غزوة. بل إنه لما لبس لأمته استعدادا للقتال بناء على مشورة المسلمين الذين تراجعوا عن مشورتهم.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ١٣٨