تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا ، وهو أيضا تقديم الصدقات،

أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات . والنسل والذرية تقديم للنفس وتقوية للأمة،

فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم .

والتقدمة تكون من النفس استعدادا للغد،

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد . وقد تقدم النبي بالوعيد إنذارا وتبصرة للمتخاصمين،

قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد . فهم المستقبل أحد وسائل التقدم.

أما لفظ «أخر» فقد ورد في القرآن الكريم خمسا وعشرين مرة، أقل كما من لفظ التقدم مما يدل على أهمية التقدم على التأخر. كلها أفعال إلا واحدة اسم فعل «المستأخرين» مما يدل على أن التأخر فعل بشري ومسئولية إنسانية. وقد ارتبط بالتقدم (عشر مرات) مما يدل مرة أخرى على اقتران الموضوعين، التقدم والتأخر. وهما للفعل وللأجل وللأفراد وللأمم،

ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون . وهنا يظهر لفظ سبق بمعنى تقدم مما يدل على أن التقدم سباق ومنافسة.

ولكل فعل وقته ولا يمكن التأجيل كما هو الحال في الصلاة أداء أو قضاء، على الفور أو على التراخي. فالفعل مرهون بالحياة. وللحياة أجل فلا يمكن تأجيل القتال لدرء العدوان،

ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب . وللدنيا أجل عندما يأتي يوم القيامة في الوقت المحدد،

قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة .

تأخير فعل إبليس وحده إلى يوم القيامة ممكن. فقد طلب من الله الوقت أي الزمان لغواية بني آدم ولإثبات أن إبليس أفضل منه، وأن آدم ليس بأفضل من إبليس،

قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا . ويمكن التقدم أو التأخر في فعل محدد مثل ذكر الله أياما معدودات في مناسك الحج،

فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه . ولا يفيد الندم بعد فوات الوقت. فالزمان لا يستعاد. وما انقضى لا يعود،

ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل . فإذا أتت الآخرة فلا يمكن استعادة الدنيا،

لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين .

ومع ذلك يمكن تأخير العقاب على الذنوب لاستثمار التوبة حتى يأتي الأجل،

ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ،

وما نؤخره إلا لأجل معدود ،

إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ،

يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى . فإذا انقضت الحياة وجاء الأجل انتهى التأجيل.

ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها .

لقد استطاعت اليابان تحويل مفهوم التقدم الروحي الأخلاقي في البوذية إلى تقدم علمي وصناعي، وحولت المحور الرأسي للتقدم، التقدم إلى أعلى أو التقدم إلى الداخل، إلى أعماق النفس، إلى محور أفقي إلى الأمام، من أجل تأصيل نهضتها المعاصرة في موروثها الثقافي القديم. كما استطاعت توسيع مفهوم التقدم الفردي إلى تقدم جماعي لأمة.

أما نحن العرب والمسلمين فلم نؤصل مفهوم التقدم في تراثنا القديم بالرغم من أنهما مرتبتان حركيتان في المقدمات النظرية لعلم العقائد، التقدم بالرتبة وبالشرف. وأخذنا التقدم بالمفهوم الغربي إما بمعنى النمو الاقتصادي أو بمعنى التنمية البشرية الشاملة. وحاولنا القيام بالأول أكثر من الثاني لأنه أصعب. فمن السهل تنمية الموارد بوضع خطط للتنمية. ومن الصعب تنمية البشر بمكوناتهم التاريخية الموروثة. لذلك سرعان ما انهار التخطيط. وابتلعت الزيادة السكانية كل معدلات التنمية، بالإضافة إلى التبذير، وهدر الإمكانيات. كانت التنمية مركزية بفعل الدولة ودون مشاركة شعبية كبيرة أو رقابة، ودون إحساس من الناس بأن عائدها لهم. فإذا قامت محاولات تنموية جديدة فالأجدر أن تبدأ بإعادة صياغة مفاهيم التقدم والتأخر في الثقافة الموروثة حتى تتأصل مشاريع التنمية في الثقافة الشعبية، وتكون نابعة من الناس، من تاريخهم تحقيقا لمصالح حاضرهم وأملهم في المستقبل. (6) التخلف والقعود

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ١٣٧