إن الجماهير هي القادرة على ردع العدوان كما فعل حزب الله في حرب يوليو (تموز) 2006م، والقادرة على تعمير الصحراء، وجذب العمالة والعقول المهاجرة، وإعادة ربطها بالأوطان بدلا من السكون المطبق للشارع العربي والغياب التام له. هي القادرة على رفع القهر في الداخل ومقاومة العدوان من الخارج. التحدي هو التحول من الكم إلى الكيف. كما تنبأ الرسول بأن الأمم ستتداعى علينا كما تتداعى الأكلة على قصعتها. ليس من قلة بل نحن كثير كغثاء النحل ولكن بسبب حب الحياة وكراهية الموت أي الاستشهاد في سبيل الأوطان وذهاب رهبة الأمة في قلوب أعدائها.
اليسار الإسلامي إذن ليس تأويلا ثوريا تقدميا اشتراكيا يساريا للإسلام، بل هو عمل جماهيري يبدأ بتحرير الأرض وينتهي بحركة الجماهير. (5) التقدم والتأخر
التقدم مطلب رئيسي لدى الشعوب النامية، شعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، شعوب العالم الثالث. وهي أسماء حديثة تشير إلى العالم الإسلامي. كما أن من ضمن أسماء اليسار الإسلامي في مصر الإسلام التقدمي في تونس وإذا كان لفظ اليسار لفظا قرآنيا بمعان مختلفة، فإن لفظ التقدم والتأخر لفظان قرآنيان، فماذا يعنيان؟
وقد قرن القرآن الكريم بين التقدم والتأخر وليس بين التقدم والتخلف كما تفعل النظريات التنموية المعاصرة. فقد ارتبط التخلف والخوالف بالقتال والقعود عن الجهاد. في حين ارتبط التقدم والتأخر بالعمل الصالح والطالح. التقدم للخير، والتأخر للشر. التقدم للحسنة، والتأخر للسيئة، وهو ما يعيه الإنسان يوم القيامة،
ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر . إذ تتكشف الحقائق بعد الموت،
وإذا القبور بعثرت * علمت نفس ما قدمت وأخرت . حينئذ يعلم الإنسان من المتقدم ومن المتأخر،
ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين . وفي مقابل هذه الإمكانية للتقدم والتأخر في الحياة عن طريق أفعال الإنسان الحر. لا يتقدم الموت ولا يتأخر. ويقع في وقت معلوم،
فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون .
والتقدم لغويا من فعل «قدم» الذي يعني شيئين: الأول القدم بمعنى القدم في الزمان، صفة لله، فالله قديم، والعرجون والضلال والإفك قديم، والآباء الأقدمون. والثاني بمعنى التقدم أي المستقبل. ويرمز إلى ذلك بصورة القدم في الرجل الذي يتقدم بالخطوة. فالتقدم إلى الأمام جهد إنساني. فالقدم قدم صدق،
وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم . والقدم يخشى من زلله،
ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها . لذلك يحرص الإنسان على ثبات الأقدام،
وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام . ويؤخذ الأشرار بالنواصي والأقدام، من أعلى ومن أدنى،
يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام . ويداسون بالأقدام،
أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين .
وقد ذكر لفظ التقدم في القرآن الكريم ثمانيا وأربعين مرة. معظمها أفعال، وأقلها (ثلاث عشرة مرة) أسماء. مما يدل على أن التقدم فعل بشري وليس جوهرا ثابتا في المجتمع والتاريخ، مرهون بالإرادة البشرية. والتقدم أو التأخر فعل حر،
لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ، وهو مرتبط بالإرادة الحرة أو المشيئة المختارة. فلا يوجد شعب متقدم بطبيعته، وآخر متأخر بطبيعته. ليس قدرا محتوما على أحد كما تروج لذلك بعض النظريات العنصرية البيضاء ضد الأفارقة والآسيويين لولا ظهور النمور الآسيوية، والنموذج الآسيوي للتنمية والتقدم.
ومعظم معاني اللفظ في القرآن تشير إلى الأعمال في صورة التقديم باليد. فاليد أداة العمل. والعمل تقديم، وهو في الغالب عمل سلبي، ذنب يرتكب أو مصيبة،
فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ، أو سيئة،
وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم . وقد يكون التقديم أيضا للخير والعمل الصالح وليست للذنب والمعصية فحسب،