والعقلانية حاجة للعصر الذي سادته الخرافة، وطغى عليه السحر. وأصبحت دوافعه على السلوك الأهواء والانفعالات والرغبات والمصالح الشخصية، وليس التحليل العقلي الهادئ الرصين. يعتمد على السلطة وليس على البرهان، سلطة النص الديني أو السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي كما تبدو في نصوص القدماء، وأقوال الرؤساء، وأوامر الآباء، والقواعد البيروقراطية، والأمثال العامية. فاتسم السلوك بالطاعة العمياء، والتبعية المطلقة، والتقليد الأعمى، بلا اقتناع داخلي أو إيمان قلبي أو تصديق. فازدوجت الشخصية، بين طاعة ظاهرية ورفض باطني. وأصبح النفاق، انفصام الخارج عن الداخل، هي السمة المميزة للسلوك في الحياة اليومية كما يظهر ذلك في لغة المداهنة والتقرب لقضاء الحاجات. وعم المديح الخطاب القومي.
وهو ضرورة عصرية نظرا لأن حضارة العصر هي حضارة العقل. فقد قامت الحضارة الغربية الحديثة على العقل ضد سلطة الكنيسة وبطليموس وأرسطو. وبدأت بشعار «أنا أفكر فأنا إذن موجود». وكما تعاملت الحضارة الإسلامية في فترتها الأولى مع حضارة اليونان وهي حضارة العقل وأنتجت الفلسفة الإسلامية كذلك تتعامل الحضارة الإسلامية الآن مع الحضارة الغربية لتنتج الإسلام العقلاني المستنير.
وليس العلمانيون وحدهم هم الذين ينهلون من العقلانية الغربية تقليدا لها وترويجا لثقافتها، وتبعية لحضارتها لمعاداة الحركة الإسلامية، وإيجاد البديل عنها في التنوير الحكومي الذي تروج له أجهزة الدولة الثقافية والإعلامية والتعليمية بل أيضا الإسلام العقلاني الذي يرشد الحركات الإسلامية وينقلها من الإطار السلفي إلى الإطار الحديث، ويأخذ موقفا نقديا من العقلانية الغربية الصورية، ثم ينقلب عليها العلمانيون كما انقلب عليها الغرب نفسه بدعوى نقد الحداثة وللإعداد لمرحلة ما بعد الحداثة، والتحول من التحليل إلى التفكيك، ومن الفكر إلى الكتابة، ومن المعنى إلى اللفظ، الكتابة في درجة الصفر، وموت المؤلف.
والإسلام العقلاني ليس غريبا على تراثنا القديم أو تقليدا للغرب الحديث بل هو جوهر الحضارة القديمة وركيزتها الأولى. فقد قامت العلوم الإسلامية الأولى على العقل. وتم تصنيفها طبقا لها إلى علوم نقلية عقلية تجمع بين العقل والنقل، وعلوم عقلية خالصة تعتمد على العقل وحده، في مقابل العلوم النقلية الخالصة التي تعتمد على النقل وحده.
فمن العلوم النقلية العقلية علم أصول الدين أو علم العقائد أو علم الكلام الذي قام على العقل مع النقل في معترك الحياة السياسية. جعل المعتزلة العقل أساس النقل. فالأشياء حسنة وقبيحة في ذاتها. حسنة كالكرم والإحسان ومعاونة الضعيف، وقبيحة كالقتل والظلم والعدوان. والشرع مؤيد لحكم العقل وليس بادئا أو نقيضا له. والنظر أول الواجبات. والعقل شرط التكليف. كما أثبت المعتزلة الواجبات العقلية مثل التكليف، وشكر المنعم. وأولوا النص طبقا للعقل حماية للتوحيد من الوقوع في التجسيم والتشبيه ودفاعا عن التنزيه. والعقل هو أول ما خلق الله طبقا للحديث القدسي «أول ما خلق الله خلق العقل». واعتبر الأشاعرة، وهم جمهور أهل السنة الآن، أن استعمال العقل ثابت بالنص لكثرة ما استعمل القرآن آيات مثل
أفلا تعقلون ،
أفلا تتفكرون ،
صم بكم عمي فهم لا يعقلون .
كما اعتمد الفلاسفة على العقل. فالإنسان حيوان ناطق كما هو الحال عند اليونان. وهناك عقول متعددة. الله هو العقل الأول، عقل وعاقل ومعقول. والأفلاك عقول، والعلم فيض من العقل الفعال إلى العقل بالملكة والعقل المستفاد والعقل بالقوة كي يصبح عقلا بالفعل. وفي رواية رمزية «حي بن يقظان» الطفل الذي نشأ في جزيرة ولم يسمع وحيا أو بلغته رسالة أو نبوة استطاع بعقله الطبيعي أن يصل إلى كل ما أنزل إلى الأنبياء: الله موجود، والعالم مخلوق والنفس خالدة، تثاب وتعاقب لأفعالها وقانون الاستحقاق