مهمة الإسلام المستنير أيضا إفراز نوع من التعددية الفكرية والسياسية داخل الحركات الإسلامية والتيارات العلمانية على حد سواء. فالإسلاميون ليسوا تيارا واحدا. بهم وسط ويسار ويمين . وبهم صراع بين الرعيل الأول والأجيال التالية. الحوار الداخلي بين الأجنحة داخل كل تيار يقرب التيارات بعضها من البعض الآخر. والعلمانيون ليسوا تيارا واحدا. فهناك علمانيون يقبلون الإسلام الليبرالي والوطني والعقلاني والتقدمي والاشتراكي.
والإسلام المستنير ليس تيارا واحدا بل تتعدد تياراته وأسماؤه. فهو الإسلام الإصلاحي أو العقلاني، سليل الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين ومصطفى عبد الرازق وطه حسين ومحمد حسين هيكل والعقاد، وهو الإسلام الليبرالي الديمقراطي أو حتى العلماني عند علي عبد الرازق وخالد محمد خالد، وهو الإسلام التقدمي الاشتراكي الإنساني عند مصطفى السباعي وسيد قطب الأول صاحب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» و«معركة الإسلام والرأسمالية» و«السلام العالمي والإسلام» قبل أن يكتب «معالم في الطريق» تحت تأثير التعذيب في غياهب السجن، وعند عبد الرحمن الشرقاوي وأحمد عباس صالح وغيرهم من الأجيال الجديدة الذين ضاقوا ذرعا بالتفاوت الشديد بين الأغنياء والفقراء، وهو ما يتعارض مع مبادئ الإسلام ومثله ونماذجه الأولى، وهو «اليسار الإسلامي» الذي يعيد فهم الإسلام بناء على تحديات العصر السبعة الرئيسية: استكمال حركة التحرر الوطني في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير وسبتة ومليلية، تحرير المواطن من كل صنوف القهر الديني والسياسي والاجتماعي، تحقيق العدالة الاجتماعية بدلا من هذا التفاوت الشديد بين الأغنياء والفقراء، إقامة وحدة الأمة عن طريق التجمعات الإقليمية العربية والإسلامية ضد مخاطر التفتيت والتجزئة العرقية والطائفية والتي بدت في العراق وتهدد الخليج ولبنان واليمن والسعودية وسوريا والمغرب العربي ومصر ذاتها كي تبقى إسرائيل أكبر دولة عرقية طائفية تأخذ شرعية جديدة من طبيعة الجغرافيا السياسية في المنطقة، والتنمية المستقلة المتكاملة لما تتمتع به المنطقة من رءوس أموال وطاقة وأسواق وعقول للتخطيط، الدفاع عن الهوية الوطنية ضد مخاطر التغريب والهويات العرقية والطائفية الزائفة، وأخيرا حشد الناس لإشراكهم في العمل الوطني التاريخي بدلا من تهميشهم لصالح الأبطال التاريخيين ونظم حكم الفرد المطلق.
وهو الإسلام التعددي الذي لا يحتكر الرأي ويسمح بأكبر قدر ممكن من الاختلاف الذي هو حق شرعي. فالكل راد والكل مردود عليه. ولا توجد فرقة ناجية واحدة في الجنة وباقي الفرق ضالة هالكة في النار. والصواب متعدد وليس في صالح فريق دون فريق. يحيي التعددية القديمة التي كانت وراء الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي، فرق كلامية، مذاهب فقهية، طرق صوفية، تيارات فلسفية، اتجاهات تفسيرية، مناهج للرواية وطرق للدراية بدلا من أن يزهو الغرب علينا بأنه هو الذي أعطى العالم قيم التعددية.
وأخيرا، هو الإسلام الواقعي الذي يبدأ من مصالح الناس وما تعم به البلوى، وما يمس كل مواطن، وتتأثر به كل أسرة. هو الإسلام الذي يعطي الأولوية للمصالح العامة على النصوص كما تفعل المالكية اعتمادا على الاجتهاد في صوره المتعددة من قياس واستصلاح واستحسان واستصحاب ومصالح مرسلة. هو إسلام عمر بن الخطاب الذي يوقف حد السرقة عام المجاعة، ويوقف توزيع أرض السواد في العراق على المحاربين حتى لا يستوطنوا ويتركوا الجهاد في سبيل الله. هو الإسلام الذي لا يخشى في الله لومة لائم. يجهر بالحق، فالساكت عن الحق شيطان أخرس
يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم . (2) الإسلام العقلاني
الإسلام المستنير هو الإسلام الذي يقوم على العقل. فالعقلانية شرط الاستنارة. لذلك سمى فلاسفة الغرب مثل ديكارت العقل بالنور الطبيعي.