تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره . فالعقل والوحي طريقان للمعرفة، الأول طريق الفيلسوف، والثاني وحي النبي. وحد الكندي بين الفلسفة والدين. وجعل الفارابي رئيس المدينة الفاضلة الفيلسوف أو النبي. والشريعة عند إخوان الصفا تقوم على العقل. والحكمة عند ابن رشد النظر بما تقتضيه صناعة البرهان، وهو واجب بالشرع.

ودليل العقل عند الأصوليين أو القياس أو الاجتهاد هو أصل من أصول التشريع. بل إن التصوف الذي عرف عنه أنه مع الذوق والكشف والمعاينة يقوم التصوف النظري على العقل بحيث أصبح حكمة إلهية كما هو الحال عند ابن عربي وابن سبعين. وأقام السهروردي منطقا إشراقيا ذوقيا في مقابل المنطق الصوري اليوناني وحاول ابن سينا إقامة منطق للمشرقيين في مقابل المنطق الأرسطي.

والعلوم النقلية بالرغم من اعتمادها على النقل تقوم أيضا على بعض الجوانب العقلية. والأدلة النقلية حتى لو تضافرت لإثبات شيء أنه صحيح ما أثبتته، ولظل ظنيا، ولا يتحول إلى يقين إلا بحجة عقلية ولو واحدة كما عبر عن ذلك الإيجي في «المواقف»، وهو أشعري يمثل عقائد أهل السنة ونظريتهم في المعرفة، فالاتفاق مع العقل أحد شروط الخبر المتواتر، والتفسير العقلاني مثل تفسير الزمخشري أحد التيارات الرئيسية في علم التفسير. والسيرة المعاصرة عند طه حسين والعقاد ومحمد حسين هيكل تقوم على العقل بعيدا عن الأساطير القديمة المنتشرة عند أهل الكتاب في سير الأنبياء. وفي الفقه البلوغ هو العقل، والعقل مناط التكليف.

والعلوم الرياضية تقوم على العقل مثل الحساب والهندسة والجبر والموسيقى والفلك. وقد أبدع فيها المسلمون بالرغم من أن النقل هو مركز الحضارة الإسلامية ومنشؤها الأول. وما زال الإبداع الرياضي القديم أحد الروافد الأساسية في العلوم الرياضية المعاصرة.

وقامت الحركات الإصلاحية المعاصرة على العقل كما فعل محمد عبده في «رسالة التوحيد». فهو أشعري في التوحيد، معتزلي في العدل. بل إن العقل أصبح دعامة النهضة العربية الحديثة عند الطهطاوي.

ومن ثم فإن الإسلام المستنير له رصيده عند القدماء والمحدثين، وهو استئناف للجوانب العقلانية في تراثنا القديم والتراث الغربي الحديث في مرحلة جديدة من مراحل تطور الحضارة الإسلامية. (3) الإسلام العلمي

الإسلام «العلمي» هو أحد مسميات اليسار الإسلامي في مقابل الخرافي والأسطوري. ولا يعني العلم هنا العلم الطبيعي المتغير طبقا لتصورات العلم وكيفية تطبيقها في التقنية الحديثة والمتجددة باستمرار. إنما يعني الإسلام الطبيعي الذي يتفق مع معطيات الطبيعة العامة وليست الميتافيزيقا المغرقة في النظريات والمجردات والتأملات باسم الدين، وهو أيضا الإسلام الواقعي المتفق مع مقتضيات الواقع. الإسلام الممكن وليس المستحيل كما قال محمد عبده من قبل في «رسالة التوحيد» أن الوحي ممكن الوقوع. لذلك انتشر الإسلام بسرعة لم يشهد التاريخ بمثلها لواقعيته وسهولته وطبيعيته. ولفظ «الواقع» لفظ قرآني. فالدين واقع

وإن الدين لواقع . والعذاب واقع

إن عذاب ربك لواقع . والوعد واقع

إنما توعدون لواقع . وإذا كان الوعد واقعا، فالوعد صادق

إنما توعدون لصادق ، وهو الإسلام الذي يبدأ بعالم الشهادة. ويعتمد على الحس والمشاهدة وشهادة الحواس التي اعتمدها القرآن في البرهان، العين للبصر، والآذان للسمع ضد الأوهام والخيالات، وبعيدا عن الغيبيات السمعية التي تخرج عن دائرة البرهان العقلي، وهو الجانب الذي تضخم في العقود الأخيرة لصعوبة رؤية الواقع والشهادة عليه، واستسهال الإغراق في الغيب الذي لا يمكن السيطرة عليه، وهو أيضا الإسلام الذي يقوم على المضمون وليس على الشكل «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». فالشعائر مضمون قبل أن تكون صورة. الشهادة تحرر وجداني بفعلي النفي والإثبات في «لا إله إلا الله » قبل أن تكون تمتمة بالشفتين. والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر قبل أن تكون حركات وسكنات. والصيام إحساس بالفقراء قبل أن يكون إمساكا عن الطعام والشراب في وقت معلوم. والزكاة مشاركة الفقراء في أموال الأغنياء قبل أن تكون ضريبة كمية، والحج توجه القلب نحو هدف واحد قبل أن يكون شعائر، سعيا وإفاضة وطوافا وهديا ورميا بالجمرات. ولو أن لفظ «مادي» كان له معنى تداوليا إيجابيا لأمكن استعماله. حينئذ يعني الإسلام المادي الاهتمام بحياة الناس وسعادتهم في الدنيا، بأرزاقهم ومعاشهم وتعليمهم وصحتهم وأوضاعهم الاجتماعية والسياسية في مقابل الإسلام الكهنوتي المنغلق الذي حول الدين إلى بضاعة وتجارة وتكسب ورزق ومعاش خاصة في القنوات الفضائية.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ١٣