تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي القرآن الكريم مفاهيم عديدة للزمان. الزمان الكوني مثل الليل والنهار، والفجر والضحى والعصر، والشروق والغروب، واليوم والغد، والساعة والآن، والدهر والعهد. ومن ضمن هذه المفاهيم «القرن».

وقد ورد لفظ «القرن» في القرآن الكريم عشرين مرة، ثلاث عشرة مرة جمعا وسبع مرات بالمفرد مما يدل على أن القرن قرون، وأن القرون أعمار الشعوب وأزمان الأمم، فالشعوب لا تعيش زمانا واحدا، والأمم لا تعيش قرنا واحدا.

والمعنى الأول في مفهوم القرن هو انهيار الزمان وهلاك الأمم أي انهيار التاريخ بعد قيامها ونهضتها، فالتقدم ليس دائما،

ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ، تلك سنة التاريخ، ومهما بلغت الأمة من غنى وثروة وحضارة فإنها لا تبقى إلى الأبد. ففي الغنى فسادها وهلاكها كما هو الحال في المجتمعات الرأسمالية،

وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا . ومهما بلغ قوم من قوة وبطش إلا أنهم أيضا يهلكون، فالقوة ليست دائمة، والبطش ليس مستمرا،

وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا . وذلك مثل المجتمعات العدوانية، النازية والفاشية والصهيونية. ومهما بلغ شعب من عدد وكثرة إلا أنه يهلك أيضا، فالكم لا يغني عن الكيف،

أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا . فقد انهارت الصين القديمة، وتنهض من جديد الصين الحديثة. ومن يدري ما مصير هذا الفائض من الإنتاج الذي يغزو العالم.

وفي نفس الوقت الذي تنهار فيه الأمم تنشأ من جديد. نشأة ثم انهيار، وانهيار ثم قيام من جديد،

ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين . وقد تطول هذه النشأة والقيام والنهضة ولكن مآلها إلى الانهيار،

ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر . فتختلف أعمار الحضارات بين القصر والطول. الحضارة الإسلامية في فترتها الأولى دامت سبعة قرون، من القرن الأول حتى الثامن، عصر ابن خلدون. والحضارة الغربية الحديثة دامت أيضا سبعة قرون، من القرن الرابع عشر، عصر إحياء الآداب القديمة، حتى القرن العشرين وأزمته وعدميته. كما دامت الحضارة اليونانية القديمة سبعة قرون من القرن الخامس قبل الميلاد حتى القرن الثاني بعده في العصر الهللينستي.

ويتطلب هذا القيام والانهيار للحضارات إحساس ووعي. فهما ليسا حدثين تاريخيين بل فعلان من أفعال الوعي؛ لذلك تبدأ الآية بفعل،

ألم يروا ،

أولم يعلم . فهما عبرة وعظة وهداية،

أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم ، وتدل الآثار عليهم. فالتاريخ وعي وإحساس،

وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد .

وهو قانون تاريخي حتمي لا فرار منه،

كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص . فعمر التاريخ مثل عمر الأفراد، وزمن الشعوب مثل زمن الأشخاص. ويصدق التاريخ هذا القانون لقيام الشعوب وانهيارها منذ القرون الأولى ونشأة الحضارات،

قال فما بال القرون الأولى . ولا وعد بالبقاء إلى الأبد،

أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي . وتاريخ الأنبياء شاهد على ذلك. وهلاك الأمم من بعد نوح،

وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح

في القرن الأربعين قبل الميلاد ثم تلته قرون عاد وثمود،

وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا . ثم قام موسى بالكتاب لينهض من جديد،

ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى .

والأمة هي المسئولة عن قيامها وانهيارها بالرغم من حتمية القانون. لكل أمة ذنوبها. وهي المسئولة عن الانهيار،

فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين . والظلم أيضا مسئول،

ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا . والفساد أيضا مسئول مع الذنب والظلم،

فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد . ويغيب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للتذكير بالذنب والظلم والفساد.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ١١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ١١٣