ليست القضية إذن هي العود إلى العصر الذهبي الأول والحنين إليه في القرون السبعة الأولى بل بداية دورة جديدة للحضارة الإسلامية في القرون السبعة القادمة التي بدأت منذ قرنين من الزمان منذ حركات الإحياء والإصلاح الديني والنهضة الحديثة لإنهاء الانهيار بعد ابن خلدون. ويتطلب ذلك الوعي بقانون التاريخ ثم الحركة فيه، بداية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي الشهادة على العصر والعمل على تغيير ما فيه من ظلم وفساد، وقهر واستغلال. (2) الزمان والدهر
من مفاهيم الزمان الواردة في القرآن الكريم بالإضافة إلى القرن «الدهر». ولم يرد اللفظ إلا مرتين. الأولى بالمعنى المادي الذي فهمه الأفغاني في «الرد على الدهريين» أي المنكرين لله والذين يجعلون الدهر أي الزمان والتاريخ والطبيعة والمادة تأخذ صفات الله وتقوم بأفعاله، ومنها الخلق والبعث، الحياة والممات،
وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر . فالدهرية بهذا المعنى إنكار للعلية في الخلق وللغائية في البعث، أي إنكار لبداية الدهر ونهايته، وجعله ممتدا في الزمان بلا بداية ولا نهاية، وبالتالي مشاركة الله في صفاته السرمدية. والثانية بمعنى خلق الإنسان بعد خلق الكون، وأن خلق الكون سابق على خلق الإنسان، وأن الإنسان آخر ما خلق الله حتى يجد مكانا يعيش فيه، وعالما يعمل فيه،
هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا .
وتكمل السنة وتفصل ما تركه الكتاب مجملا. فقد ورد اللفظ في السنة حوالي خمس عشرة مرة بسبعة معان مختلفة:
الأول:
الله هو الدهر، وأن سب الدهر هو سب لله «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر.» فالله هو الخالق والمعيد وليس الدهر، وفي حديث آخر: «لا تسبوا الله فإن الله هو الدهر.» وقد أوله نجيب محفوظ على لسان أحد أبطال رواياته «لا تسبوا الله فإن الله هو الدولة» نظرا لأن الدولة في عصرنا تقوم بأفعال الله، تحيي وتميت، ترزق وتمنع، تهدي وتضل، وهو الرازق والمعطي «لا تقولوا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر»، وهو المعنى الذي يقصده الدهريون طبقا لفهم الأفغاني.
والثاني:
الهلاك في الدهر أي في الزمان، «حمراء الشدقين هلكت في الدهر.» أي إن الحياة التي بانت عليها تنتهي بالهلاك، وهو مصير العجوز أي نهاية العمر «تقول عجوز لنا دهرية»، وهو المعنى الشعبي لكلمة «الزمن» وكما ورد في تمثيلية «ليالي الحلمية» في مقدمتها الغنائية «وإيه يفيد الزمن».
والثالث:
آخر الدنيا أو آخر الحياة قبل البعث، وآخر لحظة في العمر. وأحيانا يمتد الزمن مجازا إلى ما بعد الموت أي البعث وبداية الحياة الأخرى: «أف له من شراب آخر الدهر.» وهو الغسلين الذي يشرب منه الكافرون. فالدهر هو زمان الكون وزمان الإنسان في آن واحد.
والرابع:
تجزئة الدهر إلى أيام وفترات زمانية: «يوما من الدهر.» فالدهر في نفس الوقت هو كل الزمان وجزؤه، الزمان كله ويوم فيه. يطول أو يقصر: «فمكث فيهم دهرا طويلا.» وهو المعنى الوارد في بعض التعبيرات الشعبية مثل: «لم أره منذ دهر.» أي منذ وقت طويل، «مرت علي الأيام دهرا.» تعبيرا عن طول المدة والملل من الوقت.
والخامس:
الدهر وقت لتبليغ الرسالة وحمل الأمانة، والكد والكفاح والسعي فيه: «هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر.» وتظل الرسالة قائمة للتبليغ حتى ولو لم يبق من الدهر إلا يوم واحد: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا.» فالدهر ليس وقتا صامتا بل هو منبر للوعي، ومكان له. وتتم الكفارات فيه: «كفارة لما قبلها وذلك الدهر كله.»
والسادس:
طريقة التعبير عن جمود النساء مهما أحسن الرجال إليهن: «لو أحسنت إلى إحداهن الدهر.» وهو ما يتهم به الحدثيون الفكر الإسلامي القديم بالذكورية نظرا لوضع المرأة في المجتمع العربي الجاهلي. ويتم تأصيل ذلك في قصة حواء ومسئوليتها عن غواية آدم. فهي التي غوت وأوقعت آدم وأخرجته من الجنة. ثم يمد الخيال الشعبي ذلك ويدفعه نحو المطلق، فيجعل حواء رمزا للغدر والخيانة: «ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر.»