وقد ذكر «الجدل» في القرآن الكريم تسعا وعشرين مرة، خمسة وعشرين فعلا، أي إن الجدل فعل وممارسة وشكل من أشكال الحوار، وأربع مرات فقط اسما في صيغتين: جدل وجدال، أي إن الجدل ليس جوهرا أو موضوعا نظريا له قواعد منطقية كما هو الحال في الجدل في علم المنطق.
واستعمل اللفظ في اتجاهين. الأول الجدل المذموم وهو الأغلب ست وعشرين مرة. والجدل الممدوح ثلاث مرات فقط. فالاتجاه الغالب على معاني الجدل في القرآن هو الرفض. ويتم تحليل هذه المعاني إما في وقت الجدل، الدنيا والآخرة أو المجادلين، الأنبياء مع أقوامهم، والكذابين، والكفار، واليهود، والإنسان في حد ذاته أو الشيطان أو موضوع الجدل الحق أم العلم أم الباطل أم في أسماء الله أو آياته أو في الله ذاته.
فإذا كان الجدال ممكنا في الحياة الدنيا فإنه غير ممكن في الحياة الأخرى،
هأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا . وإذا كان التمويه في الدنيا ممكنا فكيف يكون ممكنا في الآخرة حيث تنكشف الحقائق؟ فلا يستطيع الإنسان أن يجادل عن نفسه في الآخرة،
يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون . فالعمل هو المقياس وليس الجدال. والمسئولية فردية ولا يستطيع أحد أن يجادل عن أحد يوم القيامة،
فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا . فلا أحد يكون وكيلا عن أحد.
ويكون الجدل أساسا بين الأنبياء وأقوامهم. فقد جادل نوح قومه وأكثر الجدل،
قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا
مما يدل على رغبة الأنبياء في إقناع أقوامهم. كما جادل إبراهيم الملائكة الذين بشروه بإسحاق ويعقوب في قوم لوط،
فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط . فوظيفة النبي الإقناع والاقتناع، كما جادل قوم محمد الرسول دون أن يرد عليهم فالله أعلم بما يعملون لأن الجدل عقيم لا يأتي بنتيجة، فالجدال إصرار على العناد،
وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون .
ويكون الجدال مع الكذابين الذين يختانون أنفسهم،
ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ، ومع الكفار،
حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين
لأن الجدال يتطلب إمكانية الإقناع والتحول إلى الحق وهو ما لا يتوافر عند الكافر. وقد يكون الجدل من الشيطان،
وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم
لأن الشيطان رمز لقلب الحق باطلا والتمويه والخداع. والإنسان بطبيعته مجادل،
وكان الإنسان أكثر شيء جدلا . ويدفع الجدل الذين كفروا باتهام الحق بأنه مجرد أساطير الأولين،
حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين .
والجدل لا يكون عن جهل بل عن علم. فالجدل عن جهل مجرد صراخ والجدل عن علم قادر على الوصول إلى الحقيقة،
ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير . وإن كان المجادل غير ذي علم فإن البديل هو الشيطان أي الأهواء والمصالح والرغبات والميول الشخصية،
ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد . ولا يكون جدلا في الباطل بل في الحق. فالجدل في الباطل سفسطة ومغالطة وتمويه وخداع،
وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب . الجدال في الباطل لدحض الحق،
ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق . الجدال لا يكون في الحق لأنه يكون عنادا،
يجادلونك في الحق بعد ما تبين
وليس بعد بيان الحق إلا التسليم.
أما موضوعات الجدل فهي الموضوعات التي لا جدل فيها مثل الله وأسماء الله وآيات الله. وهي موضوعات البداهة والتسليم. فالجدال لا يكون في الله وهو قادر على إرسال الصواعق على من يجادل فيه،
ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله . ولا يكون في أسماء خاوية من أي مضمون مثل أسماء الآلهة المزيفة،