تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يوجد كتاب سماوي أبرز قيمة الحوار ومارسه مثل القرآن الكريم. فقد حاور الخصوم، الكافر، والمشرك، والمنافق، وكل الخصوم دون رفضهم أو استبعادهم، بل باعتبارهم نماذج إنسانية لغياب الإيمان، باعتبارهم اختيارات يمكن تبديلها عن اقتناع. فالحقيقة متعددة الجوانب. يمكن الجمع بينها بالحوار، والوصول إلى اتفاق دون حسم مسبق أي الجوانب أحق من الجوانب الأخرى،

وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ، ودون ممارسة للعنف بل بالحوار وبيان أي المواقف أصح وأنسب وأقرب إلى العقل والمصلحة.

وقد أصبحت كلمة الحوار شائعة في الغرب المعاصر مدعيا أنه ثقافة الحوار بمد يده إلى غيره من الثقافات خاصة الثقافة الإسلامية تحت مسميات عديدة، حوار الأديان، الحوار الإسلامي المسيحي، حوار الحضارات، حوار الثقافات، حوار الشمال والجنوب، حوار الشرق والغرب. وعادة ما تكون اليد العليا للغرب، والطرف الآخر هو الأضعف والأكثر خجلا لاتهامه بالعنف والتعصب والرفض والتكفير والتخوين والإرهاب. وذلك تخفيفا للتوتر بين الإسلام والغرب، وتطهرا من العداء التاريخي منذ الحروب الصليبية حتى الاستعمار الحديث والاستعمار الجديد، وزيادة هجرة العرب والمسلمين إلى أوروبا حتى أصبح الإسلام هو الدين الثاني فيها بعد المسيحية وقبل اليهودية، واستدعاء للحظات الوفاق التاريخي منذ عصر الترجمة الأول من اليونانية إلى العربية في القرن الثاني للهجرة والتي كان بفضلها نشأة الفلسفة الإسلامية حتى عصر الترجمة الثاني من الحضارة العربية إلى الحضارة الغربية، فنشأت العصور الحديثة في الغرب منذ العصور الوسطى المتأخرة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر حتى عصر العودة إلى الآداب القديمة في القرن الرابع عشر، والإصلاح الديني في الخامس عشر، وعصر النهضة في السادس عشر قبل أن تبدأ العقلانية، «أنا أفكر فأنا إذن موجود» في السابع عشر، وتستمر في التنوير في الثامن عشر، وفي الفكر العلمي في التاسع عشر حتى يقع الغرب في أزمة القرن العشرين. وقد ظهر الوفاق ثانيا في عصر الترجمة الثالث في القرن التاسع عشر الأوروبي منذ الطهطاوي وترجمة فلسفة التنوير التي على أساسها قامت النهضة العربية الحديثة.

وقد ورد لفظ «الحوار» في القرآن ثماني مرات، ثلاث بالمعنى الحقيقي أي النقاش الحر، وخمس بالمعنى المجازي الذي يطلق على حواريي السيد المسيح الذين آمنوا به بعد حواره لهم واقتناعهم به مثل الصحابة.

والمعاني الثلاثة للحوار بالمعنى الحقيقي هي موضوعات الحوار مرتين، وطرفا الحوار مرة. فموضوع الحوار الأول هو المادة، المال والبنون، الثروة والسلطة،

فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا . فقد ظن أحد طرفي الحوار على الإطلاق دون تعيينه بل باعتباره نموذجا للمتحاور أنه أكثر قوة من الطرف الآخر بالمال والعشيرة وهي أمور دنيوية خالصة. وقد يكون الفقير اليتيم أكثر فضلا من صاحب المال الوفير والنفر الكثير. فالكم لا يعطي فضلا على الكيف. وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. والمعنى الثاني هو الفضل المعنوي،

قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب . فكيف يكفر الإنسان بالخالق الذي خلقه من تراب؟ من يفعل ذلك فقد أنكر البداهة والفطرة والحس السليم. المعنى الأول الفضل في الدنيا، والمعنى الثاني الفضل في الآخرة. الأول في المادة، والثاني في الروح. الأول في البدن والثاني في النفس. والمعنى الثالث هما طرفا الحوار مثل الزوجين،

قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير . فالطرف الأضعف يبحث عن طرف ثالث لينصره. والمرأة هي الطرف الأضعف أمام الرجل تشتكي إلى الله بعدما لم ينفع جدالها مع زوجها للدفاع عن حقوقها.

الوحي والواقع: تحليل المضمون · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الوحي والواقع: تحليل المضمونص ١٠١