تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26

وهذا القسم هو في نفس الوقت عرض للحضارة الإسلامية ولكن ابتداء من حضارة أخرى إما بالنقد أو بالتأكيد - لا بالتأييد - وذلك لأن علوما مماثلة قد نشأت في حضارات أخرى، وتطورت في ظروف مشابهة أو مختلفة. ونظرا لوجود الباحث المتاخم لحضارات عدة فإنه يجد نفسه معبرا عن مضمون فكرة بلغة حضارة أخرى أو ناقدا لمضمون فكر آخر بلغته التقليدية. هذا القسم الثاني مماثل للقسم الأول في أن كليهما يبدأ من الحضارة ككل إما ابتداء من حضارة الباحث أو ابتداء من الحضارات المتاخمة له.

ويشمل هذا القسم خمسة أجزاء، كل جزء خاص بفترة حضارية معينة لحضارة ذات طابع تاريخي خالص لا مركز لها في الوحي إلا من حيث قوة الطرد الذي يمثله لها.

الجزء الأول: عصر آباء الكنيسة

وهي محاولة لدراسة نشأة الفكر الغربي في الفترة الأولى من القرن الأول حتى القرن السابع، وتتم فيه دراسة تاريخ الفكر الأوروبي في مصادره الأولى ومنذ نشأته عند آباء الكنيسة اليونان ثم الرومان. وأهمية هذه الفترة ترجع إلى أن الوحي الإسلامي قد أصدر أحكاما عليها فيما يتعلق بصحة الكتب المقدسة أو سلامة العقائد الدينية أو سلوك أهل الكتاب، فدراسة هذه الفترة تكون في نفس الوقت نوع من تفسير الوحي الإسلامي بالعثور على الوقائع التاريخية التي يشير إليها، وليس أن الوحي الإسلامي هو المروج لبعض الكتابات المنتحلة وبعض العقائد الزائفة التي لفظتها الكنيسة خارج كتبها المقننة وعقائدها الرسمية.

27

الجزء الثاني: العصر المدرسي

وهي محاولة لتاريخ الفكر الغربي في مرحلته الثانية وهي العصر المدرسي، أو العصر الوسيط المتأخر، وأهميتها أنها هي الفترة التي كانت وعاء للحضارة الإسلامية بعد أن تمت ترجمتها، وتعرف عليها اللاتين، وتأثروا بها، ونشأت لديهم الفلسفات العقلية والاتجاهات العملية، واهتزت السلطة الدينية والعقائدية، وفي نفس الوقت ظلت السلطة الدينية ممثلة للدجماطيقية والمدرسية حتى حدث بعدها وبفعل التنوير الإسلامي أكبر رد فعل عنيف عليها في العصور الحديثة، وهي أيضا الفترة التي ظهرت فيها الفلسفة اليهودية العقلية لأول مرة في تاريخ اليهود، ضمن إطار الفلسفة الإسلامية، وهي الفترة التي تواكب ازدهار الحضارة الإسلامية وبلوغها أوجها.

الجزء الثالث: الإصلاح الديني وعصر النهضة

وهي محاولة لتاريخ الفكر الأوروبي إبان الإصلاح الديني وعصر النهضة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وفيها تمت، بعد عصر الإحياء في القرن الرابع عشر، أول محاولة لرفض سلطة القديم في العصر المدرسي، واحتكار الفكر، ورفض السلطة الدينية، وبداية إثبات الحرية والعقل والإنسان كحقائق أولية، وبداية كشف الإنسان بجهده الخاص للعلوم والفنون والصناعات، ورفض تغليف الواقع باسم الدين أو باسم السلطة، ولكنها أيضا هي الفترة التي بدأت فيها أوروبا في الخروج عن حدودها والاستيطان على سواحل آسيا وأفريقيا وأمريكا، وما سمته الكشوف الجغرافية، وهي بالنسبة لنا بدايات الاستعمار الاستيطاني، وهي الفترة التي تعادل بداية التوقف في حضارتنا بعد ابن تيمية وابن خلدون، وبداية عيش الحضارة الإسلامية على تاريخها، وظهور الموسوعات الكبيرة، وحركة الشروح والملخصات، فبينما يبدأ الفكر الغربي في النهوض تبدأ حضارتنا نحن في التوقف والانحسار، وتنشغل بالتأريخ لنفسها.

الجزء الرابع: العصر الحديث

وهي محاولة لبداية تاريخ الشعور الأوروبي في القرنين السابع عشر والثامن عشر ابتداء من واقعة الكوجيتو، وبداية الفصم في الشعور الأوروبي بين الاتجاه العقلي الصوري والاتجاه المادي الحسي. وهذان الخطان اللذان سيظلان منبعجين منفرجين حتى يلم شملهما من جديد في القصدية الشعورية، وهو العصر الذي يحاول فيه الشعور الخاص اكتشاف الحقائق العامة مثل: التنزيه، والعقل، والحرية، والتقدم، والإنسان، والفردية، والغائية، والمثال، كما وضح ذلك في الفلسفة العقلانية في القرن السابع عشر وفلسفة التنوير في القرن الثامن عشر، وهما دعامتا الليبرالية الأوروبية، وهي الفترة التي تواكب استمرار توقف حضارتنا وعيشها على ذاتها وتدوينها لتاريخها.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديمص ٨٨