الجزء الخامس: العصر الحاضر
وهي محاولة لتأريخ الشعور الأوروبي في لحظته الأخيرة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين حيث تحاول مذاهب القرن التاسع عشر ضم الاتجاهين السابقين اللذين أفقدا الشعور الأوروبي توازنه في رؤية للظواهر حتى أتت الفينومينولوجيا فاكتملت المثالية الأوروبية وعاد الخطان المنفرجان إلى الشعور من جديد، وتحول الموضوع داخل الذات حتى قضى نهائيا على الصورية والمادية، ولكن بدايات الانهيار ظهرت أيضا في القرن التاسع عشر بانتشار الوضعية، وظهور فلسفات التاريخ التي تعبر عن العنصرية والقوة والسيطرة من أجل المجال الحيوي للقوميات العرقية، وهي الفترة التي بدأت فيها حركاتنا الإصلاحية في القرن الماضي محاولة نقل حضارتنا إلى طور جديد، بادئة بالإحياء ثم الإصلاح.
فإذا كان القسم الأول من «التراث والتجديد» وهو «موقفنا من التراث القديم»، قد أعلن بداية شعور العالم بالثالث كطليعة للتاريخ، فإن القسم الثاني «موقفنا من التراث الغربي» يعلن نهاية الشعور الأوروبي، وتخليه عن دور القيادة للتاريخ البشري.
28 (4-3) القسم الثالث: نظرية التفسير
ويهدف هذا القسم إلى إعادة بناء الحضارتين معا في القسمين السابقين، والبداية من جديد ابتداء من أصولها الأولى في الوحي أي في كتبها المقدسة؛ «فالتراث والتجديد» هو في الحقيقة محاولة لإعادة بناء الحضارة بالرجوع إلى مصدرها في الوحي أو إعادة تفسير الوحي كما هو بالرجوع إلى الحضارة الإنسانية الحالية وتخليصها من الركود التاريخي القديم، وهو ما يعادل «علوم القرآن» في تراثنا القديم. فالغائية النهائية هو الوحي ذاته وإمكانية تحويله إلى علم إنساني شامل، وهذا لا يتم إلا عن طريق «نظرية في التفسير» تكون منطقا للوحي، وقد بان من القسمين الأولين أن الأفكار البشرية كلها تخضع في الحقيقة إلى نظرية في التفسير، تفسير النص أو تفسير الواقع، وإذا كانت هناك أبنية خاطئة في العلوم التقليدية أو في المذاهب الغربية فإنها ترجع أساسا إلى أخطاء في نظرية التفسير. التفسير إذن هي النظرية التي يمكن بها إعادة بناء العلوم والتي يمكن بها تحويل طاقة الوحي إلى البشر، وصبها في الواقع وتحديد اتجاهنا الحضاري بالنسبة للثقافات المعاصرة، ويكون هذا القسم أيضا محاولة لعرض التراث القديم لا باعتباره حضارة وجدت في الزمان والمكان مستقلة بذاتها أو متاخمة لحضارات أخرى، ولكن باعتباره فكرا مستقلا إما نابعا من أصوله في الوحي أو في أسس العقل أو في بناء الواقع، فإذا كان القسمان الأولان من «التراث والتجديد» قد عرضا لحقائق الوحي كما ظهرت في التاريخ، فإن القسم الثالث يعبر عن حقيقة الوحي ذاتها دون نظر إلى تحققاته في التاريخ، وقد يكون هذا التعبير نفسه نوعا من التفسير له، فإنه تحول له في الزمان، في هذا العصر، بمفاهيمه، ومناهجه، ولغته، وتصوراته، وبالتالي يكون أقرب إلى القسم الأول الذي يحاول فهمه ابتداء من التراث القديم بإرجاعه إلى أصوله أو بإعادة بنائه في العقل وفي الواقع؛ ومن ثم يظل القسم الثالث تفسيرا في الزمان وتظل نظرية التفسير مجرد إمكانية واستفهاما يستحيل تحقيقها بالفعل أو تطبيقها ما دامت نتيجة للجهد البشري، ولكن قد تظل النظرية أيضا نمطا مثاليا خالصا يتحقق في كل زمان ومكان، إذا ما توصلت إلى علم المبادئ العامة للوحي
L’Axiomatiqne de la Révélation .
ويشمل هذا القسم ثلاثة أجزاء طبقا لوضع الوحي في التاريخ.
الجزء الأول: العهد الجديد
وهي محاولة لتحقيق صحة الوحي في التاريخ ابتداء من مراحل الوحي السابقة على المرحلة الأخيرة أعني التوراة والإنجيل، أو كما يقال بلغة أهل الكتاب. العهد القديم والعهد الجديد سواء من حيث فهم النصوص أو من حيث سلوك أهل الكتاب، وهو مساهمة منا بالبحث عن الوحي السابق وإعادة التحقيق من صحته، واستعمال مناهج النقل التاريخي - الشفاهي أو الكتابي - من أجل الوصول إلى درجة من درجات اليقين بالنسبة للنصوص الدينية، مساهمة منا لأهل الكتاب في التعرف على كتبهم المقدسة تمحيصا وفهما وسلوكا، وفي نفس الوقت يكون تحقيقا للفروض الإسلامية الخاصة بها، فروض التحريف والتغيير والتبديل والإخفاء والزيادة والنقصان، وقد نشأ النقد التاريخي الأوروبي للقيام بهذه المهمة وانتهى إلى نفس الفروض الإسلامية .