وقد ترجع الظاهرة السلبية إلى نقص في توازن الظاهرة الفكرية باعتبارها ظاهرة متكاملة تعبر عن معنى النص الديني وعن الوحي باعتباره بناء نظريا شاملا، كما تنتج أيضا من عمل الفكر في النص، والتاريخ في الوحي، فالنص في طبيعته حقيقة متكاملة تحوي تحليلا موضوعيا لجميع جوانب الواقعة التي يتعلق بها، والفكر بطبيعته ذو جانب واحد مهما دنا من نظرة متكاملة للأمور، يظل الفكر وجهة نظر ورأيا شخصيا مهما قيل في موضوعيته وحياده، ومعظم الانتقادات التي توجه من علم تقليدي إلى علم آخر توجه أساسا لهذه الظواهر السلبية باعتبارها خارجة عن معنى النص أو عن المعاني العامة للنصوص أي عن روح الشريعة وجوهر الوحي، فمثلا في علم أصول الفقه تحول مجموع النصوص إلى قوانين وأحكام مع أن المعاني العامة لهذه النصوص ليست مقصورة على ذلك، ومن هنا أتى هجوم التصوف على الفقه كله باعتباره حرفيا، خارجيا، مائتا، فارغا، عقيما، سطحيا، ساكنا ... إلخ، وفي التصوف تحول النص إلى وجدان وقلب، وحب وعشق، واتحاد وحلول مع أن النص ليس مقصورا على ذلك، ومن هنا أتى هجوم الفقهاء عليه باعتباره ذاتية، وظنا، وتجسيما، وتشبيها، وفي علم أصول الدين، تحول النص إلى معنى نظري أقل اتساعا من النص، وأكثر تحديدا لما لم يحدده النص مثل: الله، وخلق الأفعال ... إلخ، ومن هنا جاء الرفض للفرق الكلامية باعتبارها لا تمثل إلا أمزجة شخصية لمفكريها أو اختيارات سياسية لمواقف محددة، وفي الفلسفة تحول النص إلى معنى وإلى تأمل يؤدي إلى التقوى العقلية التي يتم بواسطتها تحويل النص كله إلى خاصة العقلاء وليس إلى جمهور المؤمنين، ومن هنا أتى هجوم الفقهاء على الفلسفة باعتبارها إعلاء للعقل على الحس، وللتقوى الباطنية على الأعمال الخارجية، فالعلوم العقلية تصحح ظواهرها السلبية بعضها بالبعض الآخر مع أنها كلها ردود فعل مشتركة بينها جميعا، وتكون مهمة «التراث والتجديد» حينئذ إبراز الظواهر الإيجابية، والقضاء على الظواهر السلبية في العلوم العقلية. (3) «التراث والتجديد» وقضية توحيد العلوم
بالرغم من أن التراث أعطانا علوما عقلية أربعة متمايزة هي الكلام والفلسفة والتصوف وأصول الفقه، إلا أن الغاية النهائية من «التراث والتجديد» هو توحيد العلوم كلها في علم واحد يكون مرادفا للحضارة نفسها، فالعلوم كلها تحاول فهم الوحي وتحويله إلى نظرية كما هو الحال في الكلام والفلسفة أو إلى منهج كما هو الحال في الأصول والتصوف، ولكن الغاية النهائية هو تحويل الوحي ذاته إلى نظرية أو إلى علم أو إلى منهج أو إن شئنا إلى «منهاج».
وتوحيد العلوم أمر ممكن لأن كل علم يشير إلى العلوم الأخرى بالمقارنة وغالبا بالتفنيد والنقد، ففي علم الكلام نقد للفلسفة خاصة فيما يتعلق بالأفلاك والمعاني والعقول وقدم العالم، وفيه أيضا نقد للتصوف وأفكاره عن الزهد والاتحاد والحلول، ويتضمن أحيانا بعض المباحث الفقهية والأصولية في خبر الواحد، والمباحث اللغوية والقياس والاجتهاد، وفي الفلسفة نجد إشارات مقتضبة إلى علم الكلام بالرفض لأنه ما زال علما تقليديا لا يفيد الذكي ولا ينتفع به البليد، يقوم على النص وليس على العقل الخالص، ما زال واقعا في التشبيه والتشخيص، ولم يستطع أن يتصور الله على أنه وجود، كما تشير الفلسفة إلى التصوف وتتحد بها في الإشراقيات خاصة عند الفارابي وابن سينا، ولكنها نادرا ما تشير إلى المباحث الأصولية إلا فيما يتعلق بمناهج التفسير، وأخذ جانب المجاز، والمتشابه، والمجمل، والمؤول، والمطلق وتفضيله على جانب الحقيقة، والمحكم، والمبين، والمقيد، والظاهر حتى يستطيع الفيلسوف تأويل النص بما يتفق مع العقل، وفي التصوف نجد إشارات مستمرة إلى الكلام والفلسفة والأصول بالرفض والتفنيد، فالله ليس كما تصوره علماء الكلام منزلها، والحقيقة ليست كما تصورها الفلاسفة عقلية مجردة أو كما تصورها الأصول على أنها شريعة بل الله عياني، والحقيقة قلبية، والمعرفة كشفية، وأخيرا في أصول الفقه نجد إشارات أخرى إلى التصوف فيما يتعلق بالأحوال وكيف أنها لا تصح أن تكون سلوكا عاما للناس جميعا أو إشارات ثالثة إلى الفلسفة في بعض المباحث المنطقية، فوحدة العلوم ممكنة من خلال صورة كل علم في العلم الآخر.